العائلات تهجر الشواطئ وتُقبل على الغابات
بقدوم فصل الصيف تفضل جل العائلات شد الرحال نحو الشواطئ للابتعاد عن الازدحام وارتفاع درجة الحرارة، غير أن استيلاء أصحاب الشمسيات “البارسول” على الشواطئ وإجبارهم للعائلات لدفع مقابل للجلوس على الشواطئ، بالإضافة للمايوهات والملابس غير المحتشمة التي يرتديها بعض مرتاديها جعل العديد من العائلات المحافظة تنفر منها لتكون الغابات والخضرة وجهتها في أيام الصيف الحارة.
هجرت أغلبية العائلات العاصمية الشواطئ البحرية هذه السنة مع أنها كانت تقبل إليها بقوة حتى قبل بداية موسم الاصطياف، فرغم الارتفاع المحسوس في درجة الحرارة إلا أن تواجد العائلات أصبح قليلا مقارنة بالسنوات الماضية لتتحول الحدائق والغابات الموجودة لقبلة جديدة للباحثين عن أماكن هادئة، نظيفة ومحترمة يمضوا فيها بعض الأوقات ويقل فيها الإزعاج سواء من قبل مستغلي الشاطئ أو المواطنين الذين يقصدونه، حيث يلاحظ المتجول في حديقة الحامة، غابة بوشاوي، غابة باينام المتواجدة بأعالي بلدية الحمامات غرب العاصمة، أو حديقة بن عكنون الإنزال العائلي الكبير خاصة في نهاية الأسبوع، حتى تكاد تضيق بهم ومع أن الحرارة سجلت أرقاما قياسيا في الأيام الماضية إلا أنهم يفضلون رطوبة الأشجار وظلالها على نسيم البحر وموجاته، وهو ما لمسناه خلال جولة قادتنا للعديد من الحدائق العاصمية.
تحكي السيدة “فايزة” ابنة رويسو، التقيناها في حديقة الحامة كانت مرفوقة بأبنائها الأربعة وابنتي شقيقتها عن سر اختيارها للحديقة فتقول: تعودت منذ صغري التردد على هذه الحديقة وقد أصبحت عادة متأصلة في فأجد راحة كبيرة في بقائي بين الأشجار، مضيفة في كل مرة أذهب فيها للشاطئ أتعرض للمضايقة من قبل أصحاب الطاولات الذين يجبروننا على كراء “باراسول ” وطاولة بلاستيك بـ 600 دج وفي حال رفضنا لا يسمح لنا بالبقاء في تلك الجهة النظيفة من الشاطئ، تصوري يبحثون عن الربح في أي مكان ولا يراعون فيه ظروف المواطنين فأنا لست بحاجة للطاولة ثم حتى أن المبلغ كبير فـ 600 دج وكأنني سأشتريها وليس أستأجرها، وهو ما دفعني لاختيار الحديقة خاصة وأن الهواء منعش ونسيم الأشجار عليل في فصل الصيف مميز والدخول إليها أقل تكلفة“.
وإن كانت محدثتنا السابقة بررت سبب اختيارها للحديقة في فصل الحر بمضايقات مستغلي الشواطئ، فالسيد “ع. حكيم” اعتبر مشاهد العري والمايوهات المخجلة التي تلبس على الشواطئ قد شجعاه على مقاطعة البحر واستبدالها بجلسات عائلية بغابة بوشاوي يقول: أبلغ من العمر 42 سنة لكنني لم أذهب إلى الشاطئ سوى مرات معدودات أما الآن فيستحيل أن أذهب رفقة زوجتي وأبنائي لنشاهد تلك المناظر التي يندى لها الجبين، فالحرمة اختفت ولم يعد بإمكان العائلات الذهاب للبحر والجلوس باحترام بعد أن اكتسحته صاحبات “البيكيني“، وكثر التحرش الجنسي فلم يعد يسلم لا رجل ولا امرأة ولا حتى طفل، لذا فضلت أن أترك البحر لهم وأختار الغابة حيث الهواء نظيف والكل يجلس باحترام، وفي حال أصر أبنائي على الذهاب للبحر فهناك شواطئ عائلية بباب الوادي آخذهم إليها.
وتوافقه زوجته الرأي تماما حيث أكدت لنا أن البحر لم يعد مكانا للعائلات المحافظة، لتسرد على مسامعنا موقف وقع معهم: فقبل ثلاث سنوات ونصف سنة جاء شقيق زوجي من كندا، وبصعوبة كبيرة أقنعت زوجي بفكرة دعوته وزوجته الأجنبية للبحر وكان لي ذلك، غير أن ما حدث هناك أمر مخجل للغاية فقد تحرش أحد الشباب بالعروس الأجنبية وحاول أخذ رقمها، ومع أننا تدخلنا وأخبرناه أنها متزوجة إلا أنه بقي يلح وجلب أصدقاءه حتى أن الأمر كاد يتحول لشجار لنقرر الانسحاب ومن يومها قاطعنا البحر نهائيا.
ومع أن الأسباب عديدة إلا أن المواطن الجزائري ومع بداية كل فصل صيف أو عطلة يجد نفسه ضائعا يخوض رحلة البحث عن فضاءات تتناسب مع إمكانياته المادية ومحترمة تتوافق مع أخلاقه، لذا بات من الضروري خلق أماكن عائلية خاصة تراعى فيها خصوصيتهم وحرمتهم.