-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
سنوات لتعويض ما يُتلف في دقائق

سلوكيات عشوائية تهدد شجرة التوت بالاندثار

طارق مامن
  • 110
  • 0
سلوكيات عشوائية تهدد شجرة التوت بالاندثار
ح.م

مع اقتراب فصل الصيف ونضج ثمار التوت، التي تزيّن شوارع وأحياء منطقة الأوراس، تتحول الأشجار المنتشرة على الأرصفة، وفي مداخل المدن، وعلى حواف الطرقات والساحات العمومية، مقصدا يوميا لعشرات المواطنين، الباحثين عن قطف هذه الثمار الشهية، غير أن هذه الفرحة الموسمية سرعان ما تتحول إلى مشاهد مؤسفة، تثير استياء المارّة، والمهتمين بالشأن البيئي، بسبب الممارسات العشوائية التي تتعرض لها الأشجار فيتلذذ الطفل أو الشاب بالثمار وتتضرر الشجرة.
ففي العديد من الأحياء، لم يعد قطف التوت، يقتصر على جمع الثمار الناضجة، بل تحول لدى البعض إلى عمليات تخريب حقيقية للأشجار، حيث يتم كسر الأغصان الغضة، وتسلق الفروع بطريقة عشوائية، واستعمال العصي والأدوات لجرّ الأغصان واقتلاعها من أماكنها، فضلاً عن ركن الشاحنات والمركبات النفعية أسفل الأشجار والصعود فوقها للوصول إلى الثمار الموجودة في الأعلى.
في جولة عبر عدد من أحياء، مدينة خنشلة، كشفت عن أغصان مكسورة وأخرى متدلية، بفعل الأذى والعبث المتكرر، فيما تنتشر كميات كبيرة من الثمار المتساقطة على الأرض منها الكثير الذي لم يحن موعد نضجه بعد، أكثر من تلك التي يتم استهلاكها فعلياً، وهو ما يعكس حجم التبذير الذي يرافق هذه العملية.
السيدة أمينة، وهي ربة بيت تقطن بأحد أحياء خنشلة، المزين بأشجار التوت، قالت: “نحب أن يأكل الأطفال من هذه الثمار الطبيعية المجانية، لكن ما يحزننا هو الطريقة التي يتم بها التعامل مع الأشجار في كل سنة، نرى أغصاناً مكسورة وأشجاراً تتضرر فقط من أجل حفنة من التوت”.
أما الحاج صالح، وهو متقاعد من نفس الحي، فيؤكد أن المشكل لا يكمن في القطف بحد ذاته، بل في غياب ثقافة المحافظة على الممتلكات العامة، مضيفاً “هذه الأشجار زرعت بأموال الدولة وأحيانا بجهد بعض المواطنين، لخدمة الجميع وتجميل المدينة، وليس من المعقول أن يتم إتلافها بهذه الطريقة، فنراها تصمد لعدة سنوات وعقود، ثم يتم الإضرار بها في بضع دقائق، من أجل ثمارها”.

أطفال فوق الأشجار ومخاطر تهدد سلامتهم

وتزداد المخاوف مع إقبال الأطفال على تسلق الأشجار من دون رقابة، حيث لا يقتصر الأمر على الإضرار بالأغصان فقط، بل يشكل خطراً حقيقياً على سلامتهم، خاصة عند التسلق إلى ارتفاعات كبيرة أو الوقوف فوق فروع هشة قد تنكسر في أي لحظة، وأكد عدد من الأولياء الذين تحدثوا إلينا، أن حوادث السقوط أصبحت تتكرر خلال موسم التوت، مطالبين بحملات توعية تحث الأطفال على احترام الأشجار وتجنب السلوكيات الخطيرة، فقد سجلت خلال مواسم سابقة عدة حوادث سقوط من الأشجار أثناء محاولة الوصول إلى الثمار الموجودة في أعلى الأغصان، ما تسبب في إصابات متفاوتة الخطورة، من بينها كسور وجروح وكدمات استدعت في بعض الحالات التدخل الطبي، كما لم يسلم بعض الكبار من هذه الحوادث، سواء بسبب تسلق الأشجار أو الوقوف فوق المركبات والشاحنات لقطف التوت، قبل أن يفقدوا توازنهم ويسقطوا أرضاً.
وأكد الشيخ محمد من مدينة ششار، باعتباره مقيما بحي شعبي يحتوي على أشجار التوت منذ زمن بعيد، أن مشاهد الأطفال وهم يتسابقون لتسلق الأشجار، أصبحت مألوفة في الحي، وسط غياب المرافقة والرقابة أحياناً، الأمر الذي يحول لحظات البحث عن ثمار التوت إلى مغامرة قد تنتهي بإصابات مؤلمة، ويرى أن المحافظة على الأشجار يجب أن تترافق أيضاً مع نشر ثقافة السلامة والوقاية، لأن خسارة غصن يمكن تعويضها، أما إصابة طفل أو تعرضه لعاهة دائمة بسبب سقوط من شجرة فثمنها أكبر بكثير من أي كمية من الثمار يتم جمعها، موجها الدعوة إلى الأولياء والمواطنين بضرورة التحلي بالوعي والمسؤولية أثناء قطف التوت، حفاظاً على الأرواح أولاً، وعلى هذه الثروة الخضراء التي تضفي جمالاً على مدننا ثانياً.
وفي هذا السياق، أوضح ربيع نصرو، مهندس فلاحي، من خنشلة أن شجرة التوت، مثل باقي الأشجار الحضرية، تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تنمو وتبلغ مرحلة الإنتاج الجيد، في حين يمكن أن تتعرض لأضرار جسيمة خلال دقائق معدودة بسبب الكسر العشوائي للأغصان، وأضاف أن الأغصان المكسورة تصبح عرضة للأمراض الفطرية والحشرات، ما يؤثر مستقبلاً على صحة الشجرة وإنتاجيتها وجماليتها، مؤكداً أن التقليم العلمي يختلف تماماً عن الكسر العشوائي الذي يمارسه بعض المواطنين، مؤكدا أن الأشجار الموجودة داخل المدن لا تؤدي دوراً جمالياً فقط، بل تساهم في تنقية الهواء وتلطيف درجات الحرارة وخلق فضاءات مريحة للعائلات، وبالتالي فإن الحفاظ عليها يعد مسؤولية جماعية.
مع العلم كما قال المهندس ربيع نصرو، فإن الشجرة لا تلقى اهتماما من الفلاحين، وهي تنمو بطريقة عشوائية أو متوحشة، والفلاح يفضل الفاكهة التي يطول موسمها، ويمكن بقاءها لعدة أيام من دون تلف، أو حتى من أجل بيعها في أسواق الجملة أو تصديرها للخارج، وكل هذا غير ممكن مع ثمرة التوت، التي لا تعيش صالحة، إلا لبضع ساعات، ولم يحدث وأن بيعت في أسواق الجملة أو صدّرت للخارج، بالرغم من أن هناك عددا كبيرا جدا من بلاد العالم لا يعلم بوجودها، ولم يسبق وأن تذوقها شعبها، فهي نبتة تكاد تكون متوطنة فقط في بلاد البحر الأبيض المتوسط.

مطالب بالتدخل والتحسيس

أمام هذه الوضعية، ارتفعت أصوات المواطنين للمطالبة بتدخل المصالح المعنية، وتحديدا كل من ولاة الجمهورية، ومديري المصالح الفلاحية، من أجل حماية الأشجار من الاعتداءات المتكررة، سواء عبر تكثيف حملات التوعية أو وضع لافتات إرشادية تدعو إلى القطف العقلاني والمحافظة على الفضاءات الخضراء، أو استغلال القانون، وردع المخالفين، كما دعا العديد من السكان الجمعيات البيئية والكشفية، إلى تنظيم حملات تحسيسية موجهة للأطفال والشباب لترسيخ ثقافة احترام الأشجار باعتبارها ملكاً عاماً وثروة بيئية مشتركة.
وبين الاستمتاع بالثمار والمحافظة على الأشجار، يبقى التوت واحداً من أجمل الهدايا الطبيعية التي تزين شوارع وبلديات خنشلة ومنطقة الأوراس وكل الجزائر، خلال فصل الصيف، غير أن الاستمتاع بهذه الثمار يجب أن يكون مقروناً بالسلوك الحضاري والوعي البيئي، فالشجرة التي تمنح الظل والجمال والثمر للجميع تستحق بدورها أن تجد من يحميها ويحافظ عليها، حتى تبقى شاهدة على جمال مدننا ومتنفساً للأجيال القادمة – كما يقول المهندس الربيع – لاسيما والمشاهد المؤلمة التي تتكرر كل عام، وتجعل الكثير من المواطنين يرفعون نداءً صادقاً “استمتعوا بثمار التوت… لكن لا تقتلوا الأشجار التي تمنحها”.
ونحن نغادر مكان “التعدي على الأشجار”، شاهدنا على بعد مئات الأمتار، طاولات منظمة على الرصيف، زيّنت بتوت متعدد الألوان والأذواق، بين الأصفر والأسود والبنفسجي، مع ورق التوت الأخضر المتعمق في قلب التاريخ من عهد سيد البرية آدم عليه السلام، وموضوعة في سلال جميلة تشهّي كل عابر ذاك السبيل.. لولا!!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!