الرأي

العالَمُ بميزانِ البشر… وفتوى “الحضارة”

لعلى بشطولة
  • 312
  • 0

لا حاجةَ اليومَ إلى كثيرِ حذلقةٍ كي نفهم كيف تعملُ “المنظومة الغربية”. يكفي أن تضعَ حادثتين متشابهتين على الطاولة، ثم تراقب ميزانَ ردّ الفعل: من يُستنفَرُ له الإعلامُ والدبلوماسيةُ والعقوباتُ والدموعُ الرسمية، ومن يُترَكُ للموتِ الهادئ كأنه خطأٌ في الهامش. عندها ستكتشف أن للعالَم معيارين ثابتين لا يعترف بهما أحدٌ علنًا، لكن الجميع يراها تعمل: لونٌ يرفعُ القيمة، وهويةٌ دينية/حضارية تُعطي صاحبَها “حصانةً أخلاقية”، ثم يأتي “الباقي” — باقي البشر — قابلًا للتأويل، للمساومة، وللاستهلاك.

الغربُ لا يقول لك: “نحن أعلى”. هو أذكى من أن يصرّحَ بهذه الفجاجة في بيانات الخارجية. لكنه يطبّقها ببراعةٍ متقنة: يوزّع الإنسانية على درجات، ويمنح الشرعية على حصص، ويُعيد تعريفَ القانون الدولي حسب حرارة المصالح. في قواميسه الرسمية توجد كلماتٌ لامعة: الديمقراطية، حقوق الإنسان، النظام القائم على قواعد. وفي قاعِ القاموس، حيث تُصاغ القرارات الفعلية، توجد كلمتان لا تُكتبان: “نحن” و“هم”. نحنُ نُخطئُ فنُراجَع. هم يخطئون فيُعاقَبون. نحنُ ندافع عن النفس. هم يمارسون العنف. نحنُ نبني الاستقرار. هم يهددون الأمن. والنتيجة واحدة: ميزانٌ عالميٌّ يبتسمُ للجهة “المشابهة لنا”، ثم يتجهّمُ على بقية الكائنات.

دونالد ترامب لم يخترع شيئًا. فضيلته الوحيدة — إن جاز التعبير — أنه رفع الستار. حين يقول عن بلدانٍ بعينها ما قال، وحين يسنّ قراراتٍ تُقصي مجموعاتٍ بشريةً بجملةٍ واحدة، فإنه لا يبتدع فلسفةً جديدة؛ إنه يُعلن ما كانت النخبُ تتقنه بصوتٍ منخفض: أن العالَم يُدار بعقلية “نادي”، وأن بابَ النادي لا يُفتَحُ للجميع بالمساواة. ترامب ليس استثناءً؛ هو نسخةٌ صريحةٌ من نصٍّ قديم، نصٍّ كُتب بالحبر الاستعماري ثم أعيد طباعته على ورق حقوق الإنسان.

خذ مثلًا حربَ العراق 2003. بلدٌ يُغزَى تحت لافتةٍ كبرى: أسلحة دمار شامل. ثم تأتي التحقيقات والتقارير، فتقول: لا مخازن كما صُوِّر، ولا “تهديدٌ وشيك” كما بُنيت عليه الحكاية. ماذا حدث بعدها؟ هل رأيتَ نظامَ عقوباتٍ عالميًا على من دمّرَ دولةً وفتحَ أبوابَ الفوضى؟ هل رأيتَ محكمةً دوليةً تستدعي مهندسي الكارثة كما تُستدعى دولٌ أضعف لأخطاءٍ أقل؟ لا. لأن هناك “قانونًا غير مكتوب” يشرح لك كل شيء: حين يكون الفاعل من مركز القوة، يصبح الخطأ “تقديرًا سيئًا”. وحين يكون الفاعل من الأطراف، يصبح الخطأ “جريمةً تهدد العالم”.

ثم انظر إلى فلسطين، حيث القانون الدولي حاضرٌ كديكور، والقرارات الدولية تُتلى كأنها نصوصٌ أدبية لا تملك قوة الإلزام. الاستيطان يُدان لفظيًا منذ عقود، لكن الإدانة لا تتحول إلى كلفةٍ سياسيةٍ رادعة. تُحرَّك المصطلحات بعنايةٍ جراحية: هنا “عملية عسكرية”، هناك “مجازر”. هنا “حق الدفاع”، هناك “إرهاب”. الفارق ليس في الوقائع وحدها؛ الفارق في الهوية والاصطفاف. عندما ينتمي الفاعل إلى “الدائرة الحضارية” يُمنَحُ فضاءً واسعًا من الأعذار. وعندما يكون الضحية من خارجها، تُعاد صياغة الآلام كمشكلةٍ لوجستية: أرقام، شحنات مساعدات، ممرات، وكلماتُ تعزيةٍ مصممة كي لا تُزعج أحدًا.

الفضيحةُ الأكبر ليست في تواطؤ السياسة فقط، بل في “تفاوت التعاطف”. حين اندلعت حرب أوكرانيا، تحركت أوروبا بسرعةٍ تاريخية: حمايةٌ مؤقتة، استقبالٌ واسع، تعبئةٌ إعلامية، خطابٌ أخلاقيٌّ متوهج. وهذا حقٌّ إنسانيٌّ لا يُلام عليه أحد. لكن السؤال الذي لا تريد المؤسسات أن تسمعه: لماذا لا تُعامل أزماتٌ أخرى بنفس الحرارة، بنفس الفورية، بنفس “الكرامة الإجرائية”؟ لماذا يصبح اللاجئ “قضيةً أمنية” حين يأتي من جنوب المتوسط، ويصبح “ضيفًا” حين يأتي من الشرق الأوروبي؟ هنا لا نتحدث عن مؤامرةٍ سرية، بل عن انحيازٍ حضاريٍّ مكشوف: من “يشبهنا” يمرّ من باب الإنسانية المفتوح، ومن لا يشبهنا يدخل من بوابة الاشتباه.

أمّا البحر المتوسط، فذلك السجلّ الأزرق الذي تحوّل إلى مقبرةٍ مفتوحة، فهو دليلٌ لا يحتاج إلى شاعر. آلافٌ يبتلعهم الماء كل عام، ثم يُختزل الأمر في “تحديات الهجرة غير النظامية”. يا لسحر اللغة! تقتلُ الحقيقة بربطة عنق. لو كانت الأجساد التي تغرق “من النوع المناسب” لامتلأت الشاشاتُ بلجان تحقيقٍ عاجلة، ولامتلأت العواصم بخطبٍ عن واجب الإنقاذ. لكن حين تكون الجثث أفريقية أو عربية أو آسيوية، تُصبح المأساة “ضريبةً” على الفقر، وكأن الفقر تهمةٌ تُسقط صفة الإنسان.

ثم يأتي المناخ ليكمل الحكاية: الدول الصناعية هي التي راكمت تاريخيًا أكبر نصيبٍ من الانبعاثات، لكنها ليست هي التي تدفع الثمن الأشد. الجنوب يدفع بالعطش والحرائق والتصحر والانهيارات الزراعية، ثم يُطلب منه “الالتزام” و“الإصلاح” و“الحوكمة الرشيدة” كأن الكارثة بدأت في قريته. حتى حين يعترف الغرب بالأرقام، يصرّ على أن يكتب الخاتمة وحده: يقدّم نفسه كمنقذٍ أخلاقي، لا كفاعلٍ تاريخي مسؤول.

تعويضات؟ عدالة مناخية؟ هذه كلمات لطيفة تُقال في المؤتمرات، ثم تُنسى عند توقيع الشيكات.

ولكي لا يقال إن هذا مجرد “تحامل”، ها هي الموجة السياسية الجديدة في أوروبا: يمينٌ متشدد، شعبويةٌ فجة، خطاباتٌ تجرّ “الهوية البيضاء” من تحت الطاولة إلى منصة البرلمان. فرنسا، هولندا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا… القصة واحدة: خوفٌ من فقدان الامتياز الرمزي. لم يعد الحديث عن “اندماج” ولا “قيم”، بل عن حماية “النمط الحضاري” من الغريب. وما الغريب؟ غالبًا: المسلم، الإفريقي، القادم من الجنوب، أو أي إنسان لا يطابق الصورة التي اعتادها المركز عن نفسه. هذا ليس خلافًا سياسيًا عابرًا؛ إنه عودةُ سؤال التفوق بصيغٍ جديدة، أكثر تسويقًا، أقل خجلًا.

وإذن، ما الذي نكتبه هنا؟ هل نكتب “كرهًا للغرب”؟ لا. نكتب رفضًا لأسطورته عن ذاته. نكتب ضد فكرة “البراءة الغربية” التي تُستعمل كجواز سفرٍ للهيمنة. الغرب ليس شرًا مطلقًا، لكن ادعاءه أنه معيارُ الخير المطلق هو الخطر. لأن من يظن نفسه معيارًا لا يرى نفسه متهمًا، ومن لا يرى نفسه متهمًا يملك رفاهية تدمير الآخرين باسم إنقاذهم.

الحقُّ أن العالم لم يعد ساذجًا. المقارنات أصبحت سهلة، والأرشفة أصبحت يومية، والوعي أصبح أكثر قسوةً من بيانات القمم. الشعوب ترى أن القانون الدولي يعمل بقوةٍ مختلفة حسب لون الجواز، وأن الدم يُقاس بميزان الهوية، وأن “الحرية” تُمنحُ لدوائر محددة ثم تُصدَّر للآخرين كمنتجٍ أخلاقي.

إن كان لهذا النصّ من “قساوة”، فهي قساوة الحقيقة حين تُكتب بلا مكياج. وما لم يجرؤ كثيرون على قوله بوضوح هو هذا: النظام العالمي لا يزال يحمل جينات الاستعمار، لكنه بدّل الزي. صار يرتدي قفاز حقوق الإنسان كي لا تترك أصابعه بصمات.

والسؤال الآن ليس: هل سيعترف الغرب؟ الغرب لا يعترف بسهولة. السؤال الحقيقي: هل سنواصل نحن لعب دور “الآخر” الذي يطلب شهادة إنسانية من مركزٍ لا يمنحها إلا بشروطه؟ أم سنفرض تعريفنا لأنفسنا: بشرٌ كاملون، لا “قضايا”، ولا “ملفات”، ولا “مخاطر”؟

لأن أخطر ما في هذا العالم ليس ظلمُه فقط… بل أن يطلب منك أن تصفق له وهو يظلمك، ثم يُملي عليك خطاب الشكر باسم الحضارة.

مقالات ذات صلة