الرأي

العامية في الخطاب التربوي الاستعماري (2)

الشروق أونلاين
  • 2290
  • 0

جـ – البيداغوجيا وما وراء الأَكَمة: أوّلاً، ليست الدّعوة إلى استخدام العامية “لغة الأمّ” كواسطة في العملية التعليمية/التعلمية هي من بنات منظّري وخبراء منظومتنا التربوية اليوم، فهناك العديد من الكتب المدرسية التي تمّ اعتمادها في الفترة الاستعمارية (بحوزتنا نماذج منها) وقد كانت من تأليف مستشرقين وجزائريّين أمثال (دلفين، هوداس، ديسبارمي، بلقاسم بن سديرة، محمد بن عبد الرحمن، الصوالح محمد ولد معمّر..الخ). وإلى جانب عنوان الكتاب، هناك عنوان فرعي هو “وفق الطريقة المباشرة”.

ثانيا:  تشير عبارة “الطّريقة المباشرة” إلى لغة التّدريس، وهي من ابتكار “إيريني كاري” (1829-1909) وقد سمّاها “الطّريقة الأموميّة” بمعنى، ينبغي تدريس الطّفل باللّغة الأمّ التي يأتي بها من المنزل.

ثالثا: طبّق “كاري” هذه البيداغوجيا على أطفال “البروطون” وبعض سكّان المناطق الفرنسية التي لا تستعمل الفرنسيّة وسيلة اتّصال وتعامل، ورأى فيها الوسيلة المُثلى لمحو “اللغة الأم” لهذه الشّريحة من سكّان هذه المقاطعة، وتصبح اللّغة الفرنسية، هي لغتهم الأمّ. إنّه انطلق من فكرة مفادها، أنّ هناك تشابهاً بين سكّان “البروطون” وسكّان المستعمرات المختلفة، ومن بينها الجزائر -كما يزعم- لا على الصّعيد اللّغوي وحسب، بل على المستوى الحضاري أيضا، إذ يقول: “إذا كان “البروطون” ما يزالون يقبعون داخل أفكار هي نتاج ماض بعيد، وحالت دون تقدّمهم العام، فإنّنا بخصوص المستعمرات لا نتساءل أصلا عن درجة حضارتهم” وبالتالي، فالأمر مفروغٌ منه بالنسبة لهؤلاء الأخيرين، إذ يقول: “من واجبنا ومصلحتنا تلقين حضارتنا لشعوب المستعمرات، وأنّ نشر لغتنا هي الوسيلة الأكثر إلحاحا، والضّمان الأكيد لبلوغ هذه النّتيجة”.

إنّ “كاري” حين أجرى هذه المقاربة، لم يفرّق بين مقاطعة “البوطون” كرقعة جغرافية من “المتروبول” ودول تمّ الاستيلاء عليها بالقوّة، كما أنّ نظرته الإثنو/ثقافية التي تمّ رسمها للجزائر أوحت له بإمكانيّة نجاح هذه السياسة، فهو يرى “أنّ تعليم اللغة الفرنسية للقبائل، أسهل من تعليمها للعرب، فهم ليسوا ثائرين على حضارتنا ولا يُظهرون أيّ عداء للتّعليم”. لا لشيء سوى لكون ظاهرة القبائل لها ما يشابهها في فرنسا، إذ “أمامنا في جبال إفريقيا الشمالية منطقة بربرية بأكملها (مزارعون صبورون، محبّون للعمل، أذكياء، وأكثر تقرّبا إلى الحضارة الغربية من الفرنسيين الريفيّين، وأكثر رغبة في التحدّث بلغتنا) إضافة إلى ذلك “أنّ لغة “البروطون” أو “البربر” لا تتجاوز مفردات كلّ واحدة منهما 500 كلمة، وكلّها ذات صلة بالحاجات اليومية ليس إلاّ. وبالتالي، هناك فقرٌ في الكفاءة اللّغوية للتلاميذ، ممّا يستدعي إهمال اللغة الأمّ…” وبالنّتيجة، فـ “إنّ تعليم اللغة الفرنسية ينبغي أن يكون مباشرة دون العودة إلى اللغة الأم التي يتحدّث بها الأهالي”.

هذه البيداغوجيا، حاول “كاري” من خلالها دفع الأطفال الجزائريين إلى التخلّي عن أيّ لسان محلّي مهما كان، لأنّه كان يرى في بيداغوجيته: “الطريقة التي تتطابق والسّير الطبيعي للفكر في اكتساب الأفكار، وهي لا تطبّق إلاّ على الأشياء الملموسة والعادية في البداية، وعند اكتساب الطّفل القدرة على التّفكير، سنمنحه أفكاراً مجرّدة وعامّة”. ومن ثمّ، فميزة “الطريقة الأمومية” التي ابتكرها تكمن في جلب التلاميذ، لا إلى التّخاطب بلغتنا وحسب، بل جرّهم إلى التفكير بها”. وهذه البيداغوجيا هي التي تدعو وزارة التربية اليوم اعتمادها في تدريس اللغة الفرنسية لأبناء الجزائر.

رابعا: لقد بذل “لويس ماشويل” هو الآخر قُصارى جهده في هذا المجال، ولو مع اختلاف في تحقيق السياسة اللغوية، حيث اعتمد ما يسمّى بـ”بيداغوجيا الازدواج” والمتمثّلة في ضرورة الاستعانة باللّغة الأمّ في المرحلة الأولى. وقد حلّل طريقته هذه بالقول:” مع تقّدم الدّرس، وتعوّد الطفل على المدرسة، والمعلّم، والطريقة، سيؤدّي كلّ هذا يوما بعد يوم إلى التّناقص التّدريجي في استعمال لغة الأمّ، وعلى الرّغم من ذلك تبقى العودة إلى هذه الأخيرة طوال مرحلة الدّراسة وسيلة للفحص والتأكّد من مدى فهم الطّفل فعلا”. وقد أسسّ “ماشويل” لبيداغوجيته هذه، بناء على تجربته الشّخصية في الجزائر، حيث كان يدعو إلى تهيئة المدرسة العربية/الفرنسية بما يسمح باحتكاك أبناء المعمّرين، فرنسيّين وأجانب، مع أبناء الأهالي المسلمين واليهود، من خلال جلوسهم على نفس المقاعد وفي نفس القسم، ممّا يُفضي بهم إلى تعلّم التّسامح والاحترام المتبادل” وهذه الطريقة، هي التي تدعو إلى اعتمادها وزارة التربية فيما يخصّ تعليم اللغة العربية.

الخلاصة: هذه البيداغوجيات جاءت لتحقيق أغراض إيديولوجية، وهي:

دعم وتثمين اللّهجات، وتشويهها حتّى تتحوّل إلى لهجات هجينة، وتشوّش على الفصحى. وقد وجد فيها المحتلّ سبيلا إلى تهوين الدّين، إدراكا منه أنّ هذه  اللّهجات خاليّة من أيّ مخزون  تراثي عميق، أو وزن علمي ذي شأن كبير، أو حُمولة دينيّة ذات مرجعيّة صحيحة ومُوثَّقة.

من النّاحيّة البيداغوجيّة، رأى فيها وسيلة تشويش على الطّفل؛ إذ أن العاميّة أوّلَ ما يتلقّاه، وأوّلَ ما يفتح عليهِ عينيهِ، فيبني منها مقاييسَه اللّغويّةَ الأولى، ممّا يترتّب على ذلكَ ترسُّخ هذه المقاييسِ الهشّةِ وترسُّبُها في مَلكَته اللّغويّة، حتّى وإن هَمّ – يوما ما –  بالأداءِ اللّغويِّ الفصيحِ، اعترَض طريقَه ذلك المخزونُ اللّغويّ المُشوَّه، والذي زاده تشوّها ما طغى على اللّهجات من مفردات أجنبية، وفرنسيّة بالتّحديد. وقد حاول بهذا الصّنيع أن يحرم النّشء، من التّواصل مع تراثه الفكري والحضاري، وقتل روح الانتماء لديه، واعتقد أنّه بإزاحة الفصحى وتكريس اللّهجات التي ليس لها مقوِّمات الصّمود،  يكون قد مهّد للّغة الفرنسية، لأن تكون لها السّيادة والرّيادة.

   وبالنتيجة، ففي فضاء المدرسة ولغة التدريس تتمّ عمليّة تلميع الثقافة الفرنسية في أعين أبناء الأهالي، وإظهارها كأداة للثقافة والتّحضّر، وعنوان التمدّن والعمران، ومن ثمّ على الناشئة التخلّي عن لغتها وثقافتها وتعلّم لغة المستعمِر وتشرّب ثقافته كي “تتحضّر”، بل لمّا كانت الثورة الفرنسية قد قامت على أساس استبعاد الدّين ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية، بما حقّق لفرنسا التقدّم والرقي، على الناشئة أيضا الصّفح عن دينها حتى ترقى في سُلّم المدنيّة، وتنعم بإنجازات الحضارة الحديثـة.

مقالات ذات صلة