الرأي

العام يُعرف من خريفه

عاود الدوري الجزائري لكرة القدم، نشاطه، ككل دوريات العالم، وهو أكبر ملتقى يجمع الشباب الجزائري، ويصنع منهم شُحنة حماس، وحب انتصار، تزامنا مع إجراءات ردعية وتحسيسية، حاسمة، تقوم بها السلطات في الفترة الأخيرة، من أجل قبر عصابات الأحياء ومُلهبي النار ومروجي المخدرات وحتى مُطلقي الشتائم والكلام السوقي الذي سيطر على لغة الكلام، ليس في الشارع فقط، وإنما حتى في المؤسسات التربوية وطبعا ملاعب الكرة.

وإذا كانت مباريات الجولة الأولى على قلّتها، قد مرت في عمومها بسلام، فإن أكثر المتفائلين يبقى متخوفا من جولات الموسم، ومن تكرار أحداث الشغب خاصة اللفظي، الذي يحوّل غالبية المباريات إلى كرنفال جماعي لشتم أمهات اللاعبين وحراس المرمى على وجه الخصوص.

يعترف رواد الملاعب من قسنطينة إلى وهران مرورا بالأوراس والعاصمة وتيزي وزو، أن أهم مكان يتعاطى فيه الشباب المخدرات بكل أصنافها، هو ملعب الكرة، وما باعة المشروبات الغازية الذين يتجولون بين المناصرين، إنما لتفعيل تأثير المهلوسات بالغازات، إلى درجة أنها تباع أضعاف ما يباع من الماء المعدني. ونعترف جميعا بأن غالبية الفتن المعجونة بالجهوية المقيتة التي أساءت العلاقة بين مدينة وأخرى، إنما اندلعت على خلفية مباراة كرة، رفض فيها أنصار هذا الفريق قرار حكم، أو هدف منافس، فتحولت دقائق اللعب إلى تنابز وتناطح كاد أن يعصف بالعلاقة بين أهل البلد الواحد.

شجارات الملاعب هي ما أسّس لعصابات الأحياء، والجرأة في الشتيمة أمام الملأ، وبالفم المليان، في الملاعب، هي ما نثر الكلام السوقي بين الأفراد. والتعاطي الجماعي للكيف المعالج والحبوب المهلوسة، هو ما حوّل بعض زوايا الأزقة الضيقة والوحدات الجوارية، إلى حانات “مساطيل”.

تأثير الملعب على الحياة الاجتماعية أمرٌ أكيد، فمنه انتقلت المفرقعات إلى قاعات الأفراح والأعراس، وفيه أيضا تغنى الشباب “قسمًا”، وحضنوا العلم وقبّلوه، حتى صار بارومتر للأخلاق، يقدم إشارات إيجابية حينا، وسلبية في غالب الأحيان، وسيكون من الأولى الالتفات إلى حملات تنظيف شاملة لملاعب الكرة، مع ردع لا تساهل فيه، لمن يمسّ الأم الجزائرية بالكلام البذيء، كما شاهدناه وتابعناه في أولى المباريات.

يقولون إن الموسم الفلاحي والتجاري وحتى الأخلاقي، يظهر من خريفه، ويقولون دائما وأبدا إن بداية الغيث قطرة، والإنزال الثقيل في ملاعب الكرة سيجعل القطرة أنهارا، والموسم من خريفه يكشف قمحه وأزهاره.

مواكب التضامن مع ضحايا الحرائق، التي جعلت المساعدة والكرَم غيثا لا يتوقف عن التهاطل، ورسَمت أطول سلسلة من المرْكبات ببداية، ولا نهاية لها، هي ما يجب أن يبني المجتمع عليه حياته، فقد لاح “الإعدام” أمام المجرمين ورُفعت سنوات السجن على المروجين وقد تصبح الشتيمة ورمي الأذى في الشارع جريمة، وأظهر الناس معادنهم في أزمة النار، وحان الوقت لينتصر المعدن الأصيل على الغبار.

مقالات ذات صلة