الاصطفافات الخفية في الأزمة المغربية- الاسبانية
هناك تضليلٌ إعلامي وسياسي لابد من الانتباه إليه في ظل الأزمة بين المغرب واسبانيا، وهو أن المظاهرات الاسبانية المحرِّضة ضد المغرب ليست تابعة للحكومة، بل للمعارضة وتحديدا لليمين المتطرف وأتباعه. وإن الصمت المغربي تجاه هذه المظاهرات التي لم تجد انتقادا من الحكومة المغربية ولا من مؤيدي التطبيع في المغرب تدل على أنهم يتجنبون الوقوع في مأزق مع الكيان الصهيوني الذي يُعدُّ الحليف الأساسي لليمين المتطرف الاسباني ومن مصلحته الإستراتيجية استمرار تلك المظاهرات حتى إسقاط أو إضعاف الحكومة في مدريد.
ويتمثل أسلوبُ التضليل الذي تعتمده الحكومة المغربية وأنصار التطبيع من أجل تفادي الحرج السياسي مع الرأي العامّ الوطني على شكل تصوير تلك المظاهرات كأنها احتجاجات اسبانية عامّة وليست احتجاجات تابعة لليمين المتطرف خصيصا. والهدف من ذلك هو توجيه الرأي العامّ المغربي نحو الصدام مع الحكومة الاسبانية حصرا، فيصطف من دون تدقيق منه في الصف نفسه مع اليمين المتطرف المتهجِّم عليه بالذات، أي يقف مع خصمه في الصف نفسه من دون دراية.
إذن فيتحدد المستفيدون المباشرون من الأزمة المغربية الاسبانية في:
– اليمين المتطرف الاسباني المعارض للحكومة.
– الكيان الإسرائيلي المعارض للحكومة نفسها.
بينما ليست للمغرب أي مصلحة إقليمية في صعود قوة سياسية تعادي مهاجريه وتحرق رايته الوطنية وتستخدم أزمته في سبتة ومليلية كمجرد ورقة مصلحية.
ومن اللافت للنظر أيضا أن تيار التطبيع في المغرب لم يخرج منددا بالسلوك التهجمي لليمين المتطرف الإسباني على بلاده وشعبه، بل العكس تماما هو الذي يحدث إذ يتهجم تيار التطبيع هذا باستمرار -عبر إعلامه وصفحاته وذبابه الإلكتروني- على التيار الوطني المناهض للتطبيع. وهذا يدفع إلى طرح سؤال جاد حول دوره الوظيفي: أليست المصلحة الوطنية تقتضي رد كافة أشكال التعدي الأجنبي سواء أكان صادرا من المعارضة أو الحكومة؟ فلماذا يقبل تيار التطبيع في المغرب التعدي السياسي من طرف اليمين المتطرف الاسباني من دون أي ردّ؟ ألا يشير ذلك إلى أن المطبِّعين في المغرب يرجِّحون مصلحة الكيان الصهيوني مع حليفه اليمين الاسباني أكثر من ترجيحهم لمصلحة المغرب نفسه؟
إذن، يبدو أن أحسن حل للاستقرار الإقليمي في الوقت الراهن هو التعاون بين اليسار الاسباني ومناهضي التطبيع في المغرب، أي تحقيق توازن يواجه التحالف الوظيفي القائم بين تيار اليمين المتطرف الاسباني وتيار التطبيع في المغرب الداعمين للكيان نفسه. ومن مصلحة الجزائر -بل الإقليم المغاربي ككل- بناء علاقات تعاونية مع تلك التيارات الاسبانية والمغربية التي تشترك في مقاومة الكيان الصهيوني سواء في المغرب أو اسبانيا للحفاظ على استقرار هذه المنطقة الإستراتيجية في غرب المتوسط، لتفادي اتساع دائرة الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة وتلاعبها بالأمن المشترك.