العبودية الطوعية… المملكة المغربية نموذجٌ
لم تعد المسميات التقليدية لأنظمة الحكم في الفقه السياسي المعاصر -من قبيل “ملكية” أو “جمهورية”- كافيةً لتفسير ديناميكيات السلطة وآليات إدارة المجتمعات الحديثة؛ إذ العبرة السوسيولوجية والسياسية لم تعد ترتبط بشكل التاج أو صفة الرئيس، بل بالجهة الفاعلة التي تحتكر السيادة الفعلية وصناعة القرار الإستراتيجي. وفي عالمٍ يتأرجح فيه توزيع القوة بين الديمقراطيات التداولية المطلقة والاستبداد الشمولي الصريح، تبرز أنماط حكم بالغة الذكاء استطاعت هندسة مزيج بنيوي فريد يجمع بين الحداثة المؤسساتية والإرث السلطوي التقليدي.
وفي طليعة هذه الأنماط تتبوأ الملكية المغربية موقعا استثنائيا كـ”دراسة حالة” غنية في أدبيات العلوم السياسية؛ فهي لا تندرج تحت الملكيات الدستورية الأوروبية التي تخلت فيها العروش عن الحكم واكتفت بالرمزية الفلكلورية، ولا تتطابق مع الملكيات الخليجية المطلقة التي تغيب فيها التعددية الحزبية والبرلمانية الصارمة. إنها تقدم نموذجا لما يُصطلح عليه بـ“السلطوية الهجينة“ أو “ديمقراطية الواجهة“، إذ هُندست البنية السياسية لتستوعب صناديق الاقتراع، والتناوب الحكومي، والدساتير المكتوبة، بينما تظل خيوط السيادة الحقيقية والقرارات السيادية محتكَرة لدى النخبة الحاكمة (المخزن)، والمستمدة شرعيتها من ركائز روحية غيبية متجذرة في التاريخ كـ”إمارة المؤمنين”.
تأسيسا على هذا التمايز، يقودنا تفكيك المشهد الدولي المعاصر إلى رصد خمسة أنواع رئيسية من أنظمة الحكم، تُشكل خارطة السيطرة والسيادة في العالم اليوم، والتي يتحدد فيها موقع الفرد ومساحة حريته بناءً على طبيعة العقد الذي يربطه بالسلطة، وما إذا كان عقدا توافقيا يكرس “المواطنة”، أو عقد إذعان يرسخ “الرعوية” والعبودية السياسية الطوعية.
ويُمثل مفهوم “البيعة“ أحد أكثر المفاهيم المحورية إشكالية في التاريخ السياسي الإسلامي؛ إذ يحمل في طياته دلالة لغوية مستمدة من البيئة التعاقدية النفعية، وتُشتق الكلمة لغويا من “البَيْع” والشِّراء، وهي تبادلٌ وعقد يلتزم فيه الطرفان بحقوق وواجبات متبادلة، وتتطلب وجود الرضا التام والندية بين المشتري والبائع. ومن هذا المنطلق اللغوي، تبلورت الـبيعة كمفهوم سياسي وسوسيولوجي يعكس عقدا اجتماعيا قوامُه التفويض المشروط؛ إذ تمنح الأمة شرعية الحكم للحاكم لإدارة الشؤون العامة، مقابل التزامه بإقامة العدل وحماية الحقوق، مما يجعل السيادة في أصلها نابعة من الشعب ومقيَّدة بمدى التزام السلطة بنصوص العقد الدستوري.
إلا أن القراءة التاريخية والمقارِنة لتطبيق هذا المفهوم تكشف عن قطيعة بنيوية ونقائض حاسمة بين التجربة التأسيسية الأولى وتجليات الحكم المعاصر، ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، تجسدت البيعة كـ”عقد معاوضة مدني وأفقي” بين أنداد، يخلو من طقوس الاستعلاء والاستبداد، وتكون الطاعة فيه مشروطة ومحكومة بآليات الشورى والمساءلة الحرّة، ويُنظر للحاكم كأجير وخادم للأمة يملك الناس حق تقويمه أو عزله.
وفي المقابل، يقف النموذج المعاصر للبيعة في المملكة المغربية في عهد الملك محمد السادس كمتساوق مع بنية “المخزن” التي تأسست ملامحها تاريخيا عبر القرون الماضية أي منذ 1666م بحي الملاح بفاس؛ إذ تحولت البيعة من “عقد تفويض أفقي” إلى “عقد إذعان عمودي” يستمد مشروعيته من أبعاد ثيوقراطية وغيبية متمثلة في “إمارة المؤمنين”. وفي هذا السياق المعاصر، أُفرغ المفهوم الشوروي القديم من محتواه المدني التحرري، ليُستبدل ببروتوكول كسروي صارم يقوم على طقوس الركوع والانحناء لإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية، وتحويل الفعل السياسي من ممارسة للمواطنة الكاملة إلى أداة لمأسسة “العبودية الطوعية” وتدجين الوعي الجمعي تحت غطاء التراث والشرعية الروحية.
كما شهدت المملكة المغربية في صيف عام 1999 منعطفا تاريخيا حاسما بوفاة الملك الحسن الثاني، الذي طبعت فترة حكمه الطويلة (1961- 1999) ذاكرة البلاد بـ”سنوات الرصاص”؛ وهي الحقبة التي اتسمت بالقبضة الأمنية الحديدية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتصفية المعارضة. ومع اعتلاء ابنه الشاب، الملك محمد السادس، سدة العرش، انفتحت آمال عريضة داخليا وخارجيا على عهد جديد يتجاوز إرث الماضي الأليم. وبدا الملك الشاب في خطواته الأولى مدفوعا برغبة واضحة في تقديم وجه مغاير تماما لأسلوب والده في الحكم، مستعينا بشعارات “العهد الجديد”، والمفهوم المتجدد للسلطة، وتأسيس “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وهو ما أكسبه في البدايات لقب “ملك الفقراء” وتوسيع الهامش الحقوقي.
إلا أن مسار العقدين الماضيين من الحكم سرعان ما كشف عن إعادة إنتاج آليات السيطرة بشكل أكثر دهاءً وعصرنة؛ إذ يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن محمد السادس أثبت في نهاية المطاف أنه “أفرس من أبيه” في هندسة السلطة والثروة، فبينما كان الحسن الثاني يفرض سيطرته عبر الإكراه الأمني المباشر والعلني، نجح النظام الحالي في مأسسة “الاستبداد الناعم” والتحكم الذكي في المشهد السياسي والجمعوي عبر واجهات ديمقراطية. والأهم من ذلك، هو التداخل غير المسبوق بين السلطة والمال، إذ تغلغلت الهولدينغات الملكية (الشركات القابضة) في عصب الاقتصاد الوطني واحتكرت القطاعات الحيوية كالطاقة، والبنوك، والتوزيع، مما جعل إرادة المجتمع تقع تحت طائلة تبعية اقتصادية ومعيشية مطلقة، وهو التحول الهيكلي الذي دفع بعض الأدبيات السياسية المعاصرة -وتحديدا ما وثقه كتاب “الملك المفترس”- إلى إطلاق هذا الوصف لتبيان كيف تحوَّل العرش من سلطة سياسية تقليدية إلى منظومة اقتصادية مهيمنة تفترس مقدرات البلاد تحت غطاء الشرعية الروحية وتحديث الواجهات.
وقد قدَّم فجر الإسلام تجربة لنظام الحكم، ففي عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين -وهم الصفوة من الصحابة المشهود لهم بالفضل والمبشرين بالجنة- نموذجا سياسيا واجتماعيا فريدا ارتكز في جوهره على كرامة الإنسان والمساواة المطلقة. وفي الوقت الذي كانت فيه إمبراطوريات العصر، كالفرس والروم، تُشرعن خنوع الرعايا عبر طقوس السجود والركوع وتقديس الحكام، جاءت الدولة الإسلامية الأولى لتُعلن ثورة على هذه المظاهر الاستعلائية؛ فلم يكن الحاكم فيها يُحاط بهالات الغيب أو يفرض إيحاءات التذلل الجسدي، بل كان البدوي يدخل مجلس القائد فلا يميزه عن عامة الناس، فالركوع والسجود في العقيدة الإسلامية التأسيسية جُعلا خالصين لله وحده، ولم يكن يُسمح يوما بأن تُذلَّ رقاب المسلمين أو تنحني أجسادهم تعظيما لبشر، مهما علت مكانته السياسية أو الدينية.
ولم تقف ميزات هذا العهد عند تحرير الأجساد والوعي من طقوس الولاء المهينة، بل تعدتها إلى ترسيخ مبدأ “الأمة مصدر السلطة” عبر نفي التوريث الجيني والملكية العائلية. ورغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان له سلالة طاهرة امتدت عبر ابنته فاطمة رضي الله عنها، ورغم أن الخلفاء الراشدين الأربعة كانوا آباءً لأبناء وبنات يمتلكون العلم والكفاءة والسابقة في الإسلام، إلا أن أحدا منهم لم يترك الحكم لصلبه أو يورث السلطة لعائلته. لقد كان الوعي الدستوري في تلك الحقبة ناصعا، إذ فُصلت القرابة الأسرية تماما عن الاستحقاق السياسي، ورُفض مبدأ الوراثة رفضا قاطعا -كما تجسَّد في وصية عمر بن الخطاب وهو يُحتضر- ليظل اختيار الحاكم خاضعا لعقد الشورى الحر والبيعة الطوعية القائمة على الندية، وهي التجربة النقيّة التي جرى الانقلاب عليها لاحقا مع التحول نحو “الملك العضوض” والتقاليد الإمبراطورية الكسروية.
تأسيسا على كل تلك التحولات التاريخية والبنيوية، يتبدى النظام الملكي المغربي في أدبيات العلوم السياسية المعاصرة كنظام فريد من نوعه، عصيٍّ على الإسقاط السريع للمفاهيم الديمقراطية الحديثة أو الدستورية التقليدية. تكمن هذه الفرادة في نجاح “المخزن” عبر القرون في مأسسة نموذج للحكم لا يكتفي باحتكار القرار السياسي والمالي، بل يتجاوزه إلى تكريس فلسفة تملُّك شاملة؛ إذ لا تُعامل الجغرافيا المغربية مجرد حيز سيادي للدولة، بل كـ”مُلكية عقارية وتاريخية” حصرية للعرش. ويتجلى هذا البُعد الرمزي والهيكلي بشكل ناصع في الثالوث الدستوري المقدس للمملكة: الله– الوطن– الملك، إذ جرى دمج الذات الملكية في مرتبة تالية للمقدس الإلهي ومتقدمة على وجود “الوطن” نفسه، مما يعيد صياغة معادلة الانتماء برمتها.
وفي ظل هذه الهندسة الثيوقراطية والزبائنية، يغيب المفهوم الحديث لـ”المواطن كامل الأهلية والسيادة” ليحل محله مفهوم “الرعيّة الخاضعة“؛ إذ يُنظر إلى سكان تلك المملكة، سوسيولوجيا وسياسيا، كأتباع مرتبطين بعقد إذعان مطلق وولاء جيني وروحي للملك. إن هذا التماهي بين السلطة والأرض والرقاب يمنح المؤسسة الملكية سلطة مطلقة ونفوذا أفقيا وعموديا يتيح لها صياغة مصائر المجتمع، وتوجيه مقدراته وثرواته واختياراته السياسية والمعيشية وفق الإرادة الفردية للملك، مما يجعل من المنظومة المغربية دراسة حالة بالغة التعقيد في كيفية تحويل التبعية السياسية والاقتصادية القسرية إلى ثقافة طاعة جمعية متجذرة ومشرعنة برداء التراث والقداسة.
وفي سياق السيكولوجيا السياسية وتحليل الوعي الجمعي، تبرز في الحالة المغربية واحدة من أكثر ظواهر “العبودية الطوعية” تعقيدا؛ إذ لا يقف الأمر عند حدود الخنوع الأعمى لترسانة “المخزن” الأمنية والاقتصادية، بل يتعداه إلى تشكّل ما يمكن وصفه سوسيولوجيا بـ“التلذذ بالتبعية والاستعذاب الجماعي للخضوع“.
إن دمج الذات الملكية بالبُعد الغيبي لـ”إمارة المؤمنين” المزعومة، والتعوُّد الطويل على بروتوكولات الإذلال الجسدي كتقبيل الأيدي والركوع، حوّل طقوس العبودية السياسية من “إكراه ثقيل” إلى “ملاذ نفسي آمن” وقيمة تمنح الرعية شعورا بالهوية والراحة التراثية. ومع تشابك فزاعة “الفوضى وبديل السيبة” مع منافع الزبائنية الاقتصادية، تكيفت البنية النفسية للمجتمع لتجد في الاستسلام لسلطة “الملك المالك للأرض والرقاب” نوعا من الطمأنينة الروحية والمعيشية؛ وهي الحالة النفسية- السياسية التي تجعل إرادة التحرر عبئا ثقيلا يهرب منه الوعي الجمعي، ليفضِّل بدلا عنه الاستلذاذ بحظيرة الطاعة وعيش دور الرعية المستكينة التي ترى في قيودها إرثا مقدَّسا وصمام أمان لا غنى عنه.
تحولت البيعة من “عقد تفويض أفقي” إلى “عقد إذعان عمودي” يستمد مشروعيته من أبعاد ثيوقراطية وغيبية متمثلة في “إمارة المؤمنين”. وفي هذا السياق المعاصر، أُفرغ المفهوم الشوروي القديم من محتواه المدني التحرري، ليُستبدل ببروتوكول كسروي صارم يقوم على طقوس الركوع والانحناء لإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية، وتحويل الفعل السياسي من ممارسة للمواطنة الكاملة إلى أداة لمأسسة “العبودية الطوعية” وتدجين الوعي الجمعي تحت غطاء التراث والشرعية الروحية.