العبودية العقلية
العبودية هي أن يفقد الإنسان حريته، ويصير أمره بيد غيره، يأمره فيأتمر، وينهاه فينتهي، ولو كان ما أُمر به وما نُهي عنه في غير مصلحته، ومهين لآدميته وكرامته.
والعبودية داخلية وخارجية؛ فالداخلية هي أن يستعبد شخص شخصا – أو أشخاصا- من بني جلدته؛ وهي -على بشاعتها- أهون على المستعبَد (بفتح الباء) لأنها تبقي له خصوصيته أو بعضها؛ والخارجية هي أن يتسلط إنسان على إنسان بعيد عنه لسانا، وعرقا، ودينا، وحضارة.. وهذا النوع من العبودية هو الذي سماه الغربيون “استعمارا”، ولهذا سمى الإمام هذه الكلمة “الكلمة المظلومة” لأن أصلها العربي طيب، ومعناها القرآني أطيب.. ولكن الغربيين استعملوها في أخبث المعاني، وزادها خبثا أن صاروا يمنّون بها علينا. (قانون فبراير 2005 في فرنسا الذي يمجّد جرائمها).
لقد ابتليت الجزائر بأقذر “استعمار”، وهو الاستعمار الفرنسي، وما ظلمنا الله، ولكن ظلمنا أنفسنا، فتركنا الاستعداد، وألقينا بأنفسنا إلى التهلكة، وصار من أمثالنا “الرقاد أحسن من الجهاد”، و”القراية تهبّل” و”الكسل أحلى من العسل”…
ولما كانت قد بقيت فينا بقية من الكرامة الآدمية، والعزة الإسلامية، والأنفة العربية – الأمازيغية فإننا لم نخضع لفرنسا، فقد جاهدها آباؤنا جهادا كُبارا، و”مرّروا” لها حياتها، ونقلوا – في المواجهة الأخيرة – الجهاد إلى أرضها، وصارت فرنسا – كما سماها دوغول في مذكراته “الأمل” “رجل أوربا المريض”.
أدرك علماء فرنسا وخبراؤها أن القوة وحدها لا تُخضِع الجزائريين، ونصحوا ساستهم بأن يعملوا للتمكين لما سماه أحد الكتاب “العبودية العقلية” أو النفسية، وأهم وسيلة لها هي”المدرسة” و”الكتاب”، وقد كان أحد كبار مسئولي فرنسا يقول: ”إن فتح مدرسة أضمن لمصالح فرنسا في الجزائر، وأدوم لوجودها فيها من الفيالق العسكرية”.
كان من نقائص الحركة الوطنية أنها قصّرت في مواجهة هذه العبودية العقلية أو النفسية، وراحت تردد كلمة “الاستقلال” دون إدراك لجميع أبعاد هذا الاستقلال، ولهذا ردّ الإمام ابن باديس على هؤلاء بقوله: “إن البهيمة تحنّ إلى الاستقلال”، ودعا – هو والجمعية – إلى تحرير عقول الجزائريين، لأنه – كما أكد الإمام الإبراهيمي- “محال أن يتحرر بدن يحمل عقلا عبدا”.
إن هذه “العبودية العقلية” هي التي جعلتنا نحس إلى الآن أننا لا نزال “عبيدا” لفرنسا، لأن واقعنا السياسي والثقافي والاقتصادي.. يؤكد أن أمرنا لا يزال في يد “فافا”.. ومن الأمثلة على ذلك أن تكون فرنسا هي “ضيف شرف” “صوڤ الكتاب” لهذا العام، وأن تُستقبل وزيرة التربية الفرنسية من طرف تلاميذنا بأناشيد فرنسية.. و…و.. فهل بعد كل ما وقع ويقع نلوم ذلك الشخص الذي قيل له: إن الفرنسيين يستعدون للعودة إلى الجزائر، فقال: ”بالحرام غير عندي يتعشاو”.