العجز في الحياة ليس دينا
التوفيق في الحياة الدنيا هو الطريق الوحيد لنيل الآخرة! والتوفيق فيها ليس معناه الفشل في نيلها، أو الإفلاس في سوقها أو الانهزام في ميدانها، كلا. إن التوفيق فيها معناه: القدرة عليها، وامتلاك ناصيتها، ثم تسخيرها للحق والخير.. لقد رأينا بعض الثعالب من البشر يعجزون عن إدراك بغيتهم من الحياة فيعزّون أنفسهم بالطعن في الدنيا والتهوين من قيمتها.. وهؤلاء حقروا المال والجمال والسعة والعافية، بل حقروا العلم والكشف والقوة والطموح.. وكانوا بلاء على الأمة الإسلامية منذ ظهروا، وشاعت مقالاتهم السيئة.
الإسلام دين أساسه العلم بالعالم واستثمار كنوزه واستثارة خيره الجم. ثم استخدام ذلك كله في خدمة الحقيقة ورفع لوائها. فكيف يتصور فيه اعتزال الحياة وإيثار العوز، والترحيب بالضعف وتطليق الكفاح؟! نعم، هناك ناس يطلبون الحياة للحياة، ولا يبالون في مطالبتهم هذه أن يلتهموا الخبيث من العيش، وأن يغتالوا الضعيف من الأفراد والجماعات، وأن ينتشوا من كل ما وقع بأيديهم دون مبالاة.. فهل لعن هؤلاء المفتونين بأموالهم وأولادهم وسلطانهم، معناه لعن الحياة كلها والتجهم للياليها وأيامها؟! إن هذا حمق مبين.. إن القرآن الكريم قد يذم الطيش والغرور والفتنة، أي: يذم السكر بالدنيا والغيبوبة في ملذاتها فيقول: ((يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا)). فهل معنى هذا تحريم الزينة والتجمل واليسار؟ كلا. فهو يقول في آية أخرى ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق))، وربما نوه بأن المال والبنين زينة الحياة الدنيا. فهل معنى هذا أنهما لا يكونان عدة الحياة الأخرى؟ كلا، فما تطلب الحياة الأخرى إلا بالمال ينفق في سبيل الله، والأنفس والأولاد تجند لنصرة الحق.. وهل يعقل جهاد من غير رجال وأموال؟ وهل يرتقب نصر مع جهل بالحياة وعجز عن تسييرها في موكب الحق؟ إن المنكمشين في هذه الحياة، الغرباء على شؤونها، ليسوا في الحقيقة إلا “طابورا خامسا” لعبيد الدنيا الذين يكرهون قضايا الإيمان والعدل. فإن هؤلاء العبيد الناقمين على الدين لا تمتد ظلالهم في الحياة إلا لخلو ميادين الحياة أمامهم من حراس الحق ورجالاته. وأيا ما كان الأمر فالإسلام دين روحي مادي معا. يكفل للإنسان حياة معتدلة لا شطط فيها ولا قصور. ويرسم له مستوى عاليا من نعمة الدنيا والآخرة. ويرفض بقوة أي زهادة تشل نماء الحياة، كما يرفض أي رهبانية تصادر غرائز الأبدان.
(من كتاب: هذا ديننا).