الرأي

العدالة في العمارة

قرار وزارة السكن رفع دعوى قضائية ضد المتسببين في انهيار عمارة في مدينة بشار، هو أهمّ قرار قامت به هذه الوزارة، بل إنه أهم من ملايين السكنات التي أنجزتها خلال سنوات. هذه الوزارة، التي لُفت منذ عقود بطابعها الاجتماعي، حتى نسي بعض السكان واجباتهم، وقاموا بتجاوزات أودت بحياة الأبرياء، وشوّهت المحيط، ومارسوا حريتهم على حساب حرية الآخرين.

وإذا سايرنا تقرير الخبرة، الذي أظهر قيام بعض التجار في الطابق الأرضي بتعديلات كثيرة على العمارة، منها ما مسّ أعمدة أساس هندسة العمارة، فإن صور التعديلات التي يقوم بها سكانٌ وتجارٌ في عمارات كثيرة وفي كل الولايات، يمكن مشاهدتها بالعين المجردة في أي حيّ تطأه قدم مواطن، ولا تستدعي أحيانا تدخّل الخبرة، وهو موروث سلوكي بائس، منذ عقود، لم يؤدِّ فقط إلى سقوط بنايات، وإنما أحياء بالكامل، تضررت بسبب مثل هذه الممارسات.

وبقدر ما نثمّن هذه الخطوة الراقية من وزارة السكن والعمران والمدينة، نتمنى أن تجري المحاسبة قبل أن تنهار العمارات، ونتمنى أكثر، أن تحذو بقية الوزارات حذو وزارة السكن.

هناك العديد من الكوارث الطبيعية التي عاشتها الجزائر بفواتير ثقيلة من الضحايا والخسائر المادية، من طوفان باب الواد 2001 إلى زلزال بومرداس 2003، وفيها جميعا تأكدت يد “الملغمين” في ارتفاع عدد الضحايا، بين من نزع قنوات صرف السيول، أو غيّر مجراها، ومن بنى عمارات هشة تهاوت مثل علب الكارتون، وما حال الطريق السيّار في بعض أجزائه وعشب ملاعب الكرة الجديدة، وبعض المنشآت التعليمية والجامعية والمسجدية، ببعيد.

لقد عانت الجزائر عقودا من توزيع المشاريع الهيكلية التي تدخل في البنية التحتية على الغشاشين والحشاشين والمرتشين، الذين عاثوا فسادا في الكثير من الهياكل القاعدية والوحدات السكنية، فكانت المشاريع توزَّع بالمحاباة، ودور صاحب المشروع أو مسؤوليته ينتهي بمجرد أن يُنهي عمله ويتسلم أمواله، وبعده الطوفان.

ويمكن لأي مواطن لو فتحت الدولة دفترا عملاقا للتبليغ عن المنجزات العوجاء، أن يخطّ ما يجرّ غالبية المؤسسات إلى العدالة وحتى المواطنين أيضا من الذين يحوِّلون شققا وحوانيت وحدائق وساحات وأرصفة إلى ما يريدونه، وبحسب “هندستهم” العشوائية، وبعدهم الطوفان.

يتفق الجزائريون على مطالبتهم بتحويل الفاسدين والمتسبِّبين في الكوارث، وحتى الذين يعبثون بمُلك الغير وملك الدولة، على العدالة، من أجل بناء دولة قانون يتمتع فيها المواطنون بحقوقهم من دون هروب من أداء الواجبات، ولن يتجرأ المسؤول على فعل تحويل المشاريع مهما كان نوعها وقيمتها، إلى من لا يتمتع بالشروط المطلوبة، وأن يكون الضمان مرتبطا بالمحاسبة في حالة حدوث أي خلل بعد الإنجاز، لأن شريط سقوط عمارة بشار وما أخذه من متابعة من الرأي العامّ ومن الإعلام ومن العدالة، هو تأسيسٌ فعلي لقانون المحاسبة على كل خطإ كبير أو صغير، ولن يكون حينها، لا طوفانٌ ولا ما بعده.

مقالات ذات صلة