الرأي

العدل أقوى جيش

عبد الرزاق قسوم
  • 407
  • 0

تتوالى الضربات والصدمات على الكيان الصهيوني الهش، الفاقد لمقومات الوجود، فبعد الانقسامات الصهيونية الداخلية الكثيرة، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والعزلة الدولية للكيان، هاهي الضربة القاضية تأتي ممثلة في الأحكام العادلة للجنائية الدولية، المستحقة والجديرة.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾[سورة الأنفال، الآية17]، فقد استجاب الله لدعاء وبكاء الثكالى الأبرياء، وآهات وأنّات الضحايا الأصفياء، الذين رُوّعوا، وجُوّعوا، وهُجّروا وفُجّروا.
تحوّل –إذن- مركّب الخوف، إلى الجانب الصهيوني المتغطرس، والمتجبر، فقذف الله في قلوبهم الرعب، إنهم يعيشون كالحشرات في الجحور، تحاصرهم الصواريخ من كل جانب، كما حملت الحجارة الأبابيل من الطيور.
استيقظت الإنسانية بعد زمن طويل من غفوتها، فأصدرت بالإجماع قرارات الإدانة، وحقّقت أحكام الجنائية الدولية، توافق الأنظمة الديمقراطية التي التزمت بتجسيد نزع الشرعية عن القوات الصهيونية الغاشمة، في حربها الإبادية العنصرية الجبانة.
وشذّ عن الإجماع الدولي نظام كان يقدم نفسه على أنه “راعي الديمقراطية”، و”حامي الحقوق الإنسانية”.
ولم يرزقنا الله حاسة نميّز بها بين من يكون مع الحق، من أجل الحق، تطبيقا للمبادئ والقيم، وبين من يكون مع الحق أو الباطل، طبقا للأهواء والمصالح، كما هو الحال في قضية وقف الحرب في غزة، وأحكام الجنائية الدولية.
إن هؤلاء هم الذين عناهم الشاعر العربي القديم، عندما قال:
قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجديه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
فهم مع الشر الصهيوني، ولو أدى ذلك إلى محرقة، يصلى بلهيبها الصبية الرُّضّع، والشيوخ الرّكّع، والبهائم الرُّتّع.
بأي منطق سياسي نفسر مثل هذا السلوك؟ وبأي عقل إنساني نبرر كل معاملات بعض هؤلاء الرؤساء، ومثلهم بعض الملوك؟

هل بقي لأحد من حكامنا، أي مبرر لموالاة الصهاينة المعتدين؟ وهل تبقى أي ذريعة، للإبقاء على أي نوع من أنواع العلاقات؟ ألا يكون القانون الدولي المحايد، حجة على حكام وعلماء المسلمين، في وجوب الاحتكام إلى شرع الله، تدعيما لشرعية القانون الإنساني؟ ألا تصحو الضمائر من الغيبوبة المصطنعة وعشرات الضحايا في غزة، والقدس، والضفة، وبيروت، يستصرخون كل ساعة وكل حين، هذه الضمائر التي لا تزال عصية عن سماع أصوات الحق المتعالية؟

لقد أصدر القانون الدولي حكمة العادل، الذي نزع فيه عن جميع المطبّعين كل ذريعة، وحكم عليهم باسم القانون، بأن موالاة الصهيونية خيانة لله وللرسول وللمؤمنين.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾؟[سورة الجاثية، الآية6].
إن حكم الجنائية الدولية بتجريم القادة الصهاينة المعتدين، يمثل تحولا حاسما، في عملية الصراع بين الحق والباطل، على صعيد فلسطين، وويل، ثم ويل، لقاضي الأرض من قاضي السماء!
إننا بتحية تقدير، واحترام، لمعظم الدول، على اختلاف قاراتها، ومواقعها، التي ارتفعت بمواقفها إلى مستوى الحق الفلسطيني، فاعترفت بأحكام الجنائية الدولية، والتزمت بتطبيقها على أرضها في حق المجرمين الصهاينة، إن حدّثتهم أنفسهم أن يطئوا أراضيها، وإن في ذلك لعبرة للجميع.
وتعالوا بنا الآن، إلى واقعنا العربي والإسلامي، لنتساءل بكل عفوية وصفاء ضمير: هل بقي لأحد من حكامنا، أي مبرر لموالاة الصهاينة المعتدين؟ وهل تبقى أي ذريعة، للإبقاء على أي نوع من أنواع العلاقات؟ ألا يكون القانون الدولي المحايد، حجة على حكام وعلماء المسلمين، في وجوب الاحتكام إلى شرع الله، تدعيما لشرعية القانون الإنساني؟
ألا تصحو الضمائر من الغيبوبة المصطنعة وعشرات الضحايا في غزة، والقدس، والضفة، وبيروت، يستصرخون كل ساعة وكل حين، هذه الضمائر التي لا تزال عصية عن سماع أصوات الحق المتعالية؟
لا عطر بعد عروس، فإن لم يوقظنا الحس التاريخي، والحق الإنساني، والوازع الديني، والوعي الأخلاقي، فأي منطق يبقى بعد كل هذا، لعودتنا إلى الذات؟
نعتقد أن ساعة الشعوب، ومرحلة العلماء قد دقت، وأن الاستجابة للنداء قد أزفت، ولا عُذر لأي متخاذل، أو متصامم عن سماع صوت الحق، الذي بدد كل جحافل الظلمة، والظلم، وويل لمن لا يزال في أذنيه وقر!
فيا حكام أنظمتنا، ويا علماء أمتنا، ويا جماهير شعوبنا:
إن تباشير الفجر الصادق، وأضواء المستقبل الواعد، قد لاحت لكل ذي عينين، وهي تسائل كل ذي عقل، وكل ذي ضمير، أن حي على الفلاح، لنجدة المعذبين من أبناء شعبنا في فلسطين، وفي لبنان، لنفك قيدهم، ونعزز جهدهم، وننجز في صهيون وعدهم.
أيا أمة المليارين أيرضيكم أن يقتّل حرائرنا وأحرارنا، ونحن في اللهو لاعبون؟ وهل تطمئن ضمائرنا، ونحن نعيش في البذخ، بينما يحرم أطفال غزة، ونساؤها، وأحرارها من لقمة العيش؟ لقد قيل أن العدل أقوى جيش، وأن الأمن أهنأ عيش، فما بالنا نغفل عن عدل الجنائية الدولية، وشرعية الله؟ وما بالنا نتجاهل أمن مجلس الأمن، ونرضى بما يعانيه شعبنا من ضيم وغبن؟
ألا يبصر علماؤنا ما يعانيه القدس الشريف كل يوم -وهو قبلتنا الأولى- على أيدي الصهاينة المستفزين المتطرفين؟
ألسنا مطالبين بتبليغ رسالة الله، وبأن لا نخشى إلا الله؟
أليس من واجبنا تغيير المنكر، بالكشف عن استفزازات الإباحية التي تعتدي على مشاعرنا، وعلى ضمائرنا، ولا تحرِّك ساكنا فينا؟
إن قناعتنا، هي أن مصير فلسطين يكتب الآن وليس غدا، وأن ساعة الحسم قد أزفت، وإن الله ناظرٌ ما سنعمل، وأن التاريخ منصت لما نسجّل.
نحن نملك –والحمد لله- كل وسائل التغيير، إن كانت لدينا الإرادة، فلدينا المال الوفير، والسلاح الكثير، ووعي الجماهير، ولا ينقصنا إلا حسن التدبير، وإعلان التغيير، وتحديد خط المسير.
فهل يمنّ الله علينا، بعد كل مظاهر الردة، بصحوة ضمير، نجدد فيها العهد لمن سبقونا من الشهداء الذين سقوا زرع هذه الأرض بالدم؟
إننا بالرغم من كل ما لاقينا، ونلاقي، نبقى متفائلين، من أن جيل الثورة والغضب الذي فتح عينيه على القمع، والردع، سوف يشبُّ حاقدا على ظالميه، وناقما على متجاهليه، وفي ذلك الأمل كل الأمل في الثبات على القيم، وعقد العزم على استعادة مكانتنا اللائقة بين الأمم.
ويومها يباهي بنا الرسول الأكرم، ومن أجل ذلك فليعمل العاملون.

مقالات ذات صلة