الرأي

العدوان الثلاثي على أحلام المصريين

حبيب راشدين
  • 5420
  • 13

من يتابع يوميات المرحلة الانتقالية في مصر يخيل إليه أن مصر تتعرض منذ اندلاع ما سمي بثورة 25 يناير لعدوان ثلاثي على أحلام وتطلعات المصريين، يشترك فيه رفاق المشير، وإخوان المرشد، ورب البيت الأبيض، الذي أسر بعض جنرالاته أنه هو من صنع ذات الألواح لوكيله مرسي، وأن من كان يخشى قيام ولاية الفقيه عليه أن يحذر تجديد ولاية الوكيل.

كان الله في عون الشعوب العربية في هذا الربيع الذي تحولت أيامه إلى ما يشبه اليوم الأول من الأيام الأربعين في حديث خروج الدجال، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، آملين أن تكون بقية أيامه كبقية الأيام من بعد ذلك. وإن أكثر الشعوب العربية أهلا للشفقة والمواساة هو الشعب المصري الشقيق، الذي تعبث به نخبته وهي تصر على تسويق

انقلاب عسكري في مسوح ثورة، هي اليوم أداة انقلاب متواصل على مقومات العقل السوي.

.

مضغة الثورة بين القضاء والقدرة

ففي أقل من سنة ونصف السنة، أستدعي الشعب المصري لاستفتاء، ومسارين طويلين لانتخاب غرفتي البرلمان، ثم رئاسيات أعطته رئيسا منتقص الشرعية والصلاحيات، ليستفيق بعد حين على برلمان منحل، ومجلس وشورى في طريقه إلى الحل، وإعادة للبرلمان بطريق إحياء عظامه وهي رميم لساعات، قبل أن تعيده المحكمة الدستورية إلى التراب، وتنظر محاكم مصر في أكثر من عشرين دعوى قضائية لعزل الرئيس المنتخب بتهمة حنث اليمين وبالخيانة العظمى، في مشهد سريالي ساخر سخيف، الكل فيه يهدم الكل، وهو مع ذلك مشهد تربوي جدير بالمتابعة لبقية الشعوب العربية ولنخبها، لأنه يكشف جميع العورات المتستر عنها في ثقافتنا وسلوك مجتمعاتنا .

ففي بحر أربع وعشرين ساعة، ارتكبت النخبة المصرية جرائم لا تحصى في حق الشعب المصري، بدءا برئيس جمهورية منتخب يدشن عهدته بالاعتداء على حكم قضائي صادر عن أعلى هيئة قضائية، كان قد اعتبر البرلمان المنتخب بقانون مزور كأن لم يكن، ويحاكي نبي الله عيسى بإحياء الموتى لساعة من الزمن،   لم تكد تنقضي حتى تعود نفس المحكمة لتعطل قرار الرئيس.

وفي بحر ساعات انتقلت سلطة التشريع من أيدي العسكر إلى برلمان أعاد مرسي نشز عظامه، ثم أماتته المحكمة وأقبرته ميتته الثانية، لتعيد التشريع إلى العسكر، وقد يعيده الرئيس للحياة مرة أخرى، في لعبة سخيفة بمؤسسات الدولة سوف تخرج منها جميعها مفككة الأوصال، مطعونا في شرعيتها وهيبتها، متوثبة لقتال بيني مستديم هو بلا شك ما سعت إليه الجهة التي تدير عن بعد ربيع العرب.

.

“في بحر ساعات انتقلت سلطة التشريع من أيدي العسكر إلى برلمان أعاد محمد مرسي نشز عظامه، ثم أماتته المحكمة وأقبرته لتعيد التشريع إلى العسكر”

نهاية المتعة من زواج المسيار

المشهد معقد ومفكك، يصعب تلخيصه في بعض لوحات تقربه من الفهم والإدراك، وقد نحتاج إلى الوقوف عند بعض المحطات التي لم يكن فيها للشعب المصري دور يذكر، وكان بعضه فيها محض كومبارس يرحل إلى ميادين التظاهر كأدوات للضغط ليس إلا، في لعبة اقتسام السلطة بين شريكين، ارتضيا منذ البداية الأخ الأكبر، ابن العم صام كراعي وحكم، كما ارتضاه من قبل السفهاء من الفلسطينيين.

ثلاثة أيام من التظاهر لشباب مصري من الطبقة الوسطى أدير عن بعد، كانت كافية لتهيئة الأرضية لثلاثة لاعبين أصليين في الربيع العربي، وتحديدا في ربيع مصر: العسكر الذي كان يبحث عن وسيلة لوقف مسار توريث الحكم لأبناء مبارك، وجماعة الإخوان التي رأت في الحراك فرصة تاريخية لبداية تنفيذ مشروع قديم، ينتظر في ملفات مكتب إرشادها منذ ثمانين سنة، وإدارة أمريكية تبحث عن مستخلف يمنحها ما لم يكن بوسع نظام مبارك تقديمه أو تسويقه.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت الإدارة المشتركة للمسار بين اللاعبين الثلاث، ودخلوا مبكرا في سلسلة من الصفقات، وتحريك متناغم للبيادق فوق الرقعة لتعزيز الموقف التفاوضي. وإلى غاية انتخاب البرلمان، كانت الأطراف الثلاثة على قدر من التوافق والوئام، تتبادل في العلن المدح والتبريكات، وقد اجتهد العسكر لتعبيد الطريق لوصول أغلبية إسلامية من الإخوان والسلفيين، في انتخابات لم تزور في الصناديق بقدر ما زورت في قانون الانتخابات المطعون عليه اليوم أمام الدستورية العليا، تماما كما زورت الانتخابات التشريعية الأخيرة في الجزائر في متن قانون الانتخابات وليس في الصناديق.

.

شبق السلطة يقتل بصيرة الإخوان

انفراط عقد الصفقة الثلاثية بدأه الإخوان بعد أن استتبت لهم الولاية في البرلمان، بمحاولة مزاحمة العسكر في السلطة التنفيذية التي كانت بيده قبل الانتخابات الرئاسية، ثم في الاستحواذ على تشكيل لجنة كتابة الدستور، التي هي موضوع الصراع الأول على السلطة.

فقد ارتكب الإخوان أكثر من خطيئة، وأساءوا إدارة عملية التطويق للمجلس العسكري باستعداء بقية أطياف القوى التي سبقتهم إلى ميدان التحرير، أو شاركتهم في الحراك، ثم باستعداء القضاء، كما استعدوا قطاعات واسعة من النظام القديم بتشريع قانون العزل السياسي، فنتج عن هذا السلوك الأحمق المتسرع أن وهبوا للعسكر أكثر من حليف وقوة دعم في ما سيأتي من مواجهات.

وجاءت الانتخابات الرئاسية لتكشف للعسكر النوايا الحقيقية للإخوان ولمن يقف خلفهم، بنكثهم لوعود معلنة بعدم المزاحمة على منصب الرئاسة، وبتشجيع أمريكي واضح، كان يخشى أن تفضي الرئاسيات إلى وصول رجل من النظام السابق مثل عمر سليمان أو الفريق أحمد شفيق، قد لا يسهل لدغه من ذات الجحر مرتين كما حصل لمبارك، أو تصل شخصية مثل الناصري حمدين صباحين، أو شخصية سلفية غير مؤطرة بكفاية مثل حازم أبو إسماعيل، وقد رضخ العسكر المصري للأملاءات الأمريكية، مع احتفاظه بأوراق موازنة أشهر بعضها في التوقيت المناسب.

.

غواية سفيرات أمريكا لرياس العرب

وكيفما كان الموقف من التسريبات الصحفية في الصحافة الأمريكية، التي ادعا فيها صحفي بمقام وقامة روبرت فيسك، وكذا مدير تحرير لواشنطن بوست: “أن الإدارة الأمريكية قد تدخلت لترجيح كفة محمد مرسي” فإن العسكر قد استعانوا بالقضاء المصري، وتحديدا بالمحكمة الدستورية العليا، إتباعا لسنة أساتذتهم من عسكر أتاتورك، لكي ينتزعوا من الإخوان السلطة التشريعية ساعات قبل أن يستلم مرشحهم سلطة الرئاسة، ويسترد العسكر بإعلان دستوري مكمل سلطة التشريع التي حاول الرئيس مرسي استعادتها بالطريق الأخرق الذي زينه له مستشاروه، وربما حثه عليه نائب وزير الخارجية، وأخشى ما أخشاه أن يكون الرئيس المصري وجماعة الإخوان، قد سقطوا فيما سقط فيه من قبل الرئيس الراحل صدام حسين، حين أبلغته السفيرة الأمريكية بأن الإدارة الأمريكية ليس لها اعتراض على قرار اجتياح الكويت.

.

عدوان ثلاثي على أحلام المصريين

لقد توقف المصريون كثيرا عند حادث صدور قرار الرئيس المصري بسحب قرار حل البرلمان، ساعتين بعد لقاء غامض جمعه بنائب وزيرة الخارجية الأمريكية، وساعات بعد انعقاد اجتماع استعجالي لمكتب الإرشاد بجماعة الإخوان، وكأن القرار قد خرج من عند المرشد ليفوز بتشجيع وضوء اخضر أمريكي، فيما أوحى لبعض المصريين أن مصر تتعرض منذ أحداث يناير 2001 لعدوان ثلاثي من جهة العسكر والإخوان والأمريكان ربما يكون قد بدأ يتفكك عند بداية اقتسام الكعكة، وتحالف طرفين ضد الطرف الثالث.

الآن وقد خرج الصراع بين الثلاثي المرح إلى العلن، لم تبق فرصة لترميم بنيان التحالف، حتى لو اضطر الثلاثي إلى البحث عن مخرج. فقد ثبت للعسكر المصري أن الشراكة بين الأخوان والإدارة الأمريكية هي أكثر عمقا مما كان يعلم، وأن المضي في التعاون معهما هو كمن يبحث عن حتفه بظلفه، وأنه عليه أن يقود المواجهة قدر المستطاع بطرق ناعمة، يوظف فيها صلاحيات التشريع التي احتفظ بها لكسب معركة كتابة الدستور من جهة، وإصدار قانون انتخابي جديد، يمنع عودة الإخوان وحلفائهم إلى البرلمان بنفس الأغلبية، مع التدبير في الإحكام الانتقالية لإعادة انتخاب غرفتي البرلمان والرئاسة، والتعويل على تراكم أخطاء الإخوان في تنفير الناخب المصري منهم ومن الأحزاب الإسلامية في الاستحقاقات القادمة.

.

من الخوف من نظام ولاية الفقيه….

بعيدا عن صراع النخب على السلطة الذي أوجده الربيع العربي، وعن الخوض في طبيعة الحراك الشعبي، وهل كان حراكا مخيرا أو مسيرا، فإن الأهم هو الوقوف عند أمرين:

الأول يستوجب الإجابة على السؤال التالي: هل أن النخب التي ورثت النظم المستبدة هي على قناعة بأن ما حصل هو ثورة شعوب، تستوجب سلوكيات جديدة من النخب، تقطع الصلة بثقافة الاستبداد، وتبادر إلى التفكير في الوفاء بالحاجيات والمطالب المستعجلة للشعوب وللفئات المستضعفة منها، قبل التفكير في اقتسام كعكة السلطة والتطاحن، أم أنها شريكة في لعبة تعبث بأحلام وتطلعات الشعوب العربية؟

والثاني، يستوجب بدوره الإجابة على سؤال محوري: هل باستطاعة هذه النخب أن تعيد بناء الدولة الوطنية وسلطات السيادة بعيدا عن النفوذ والإملاءات الأمريكية ؟ أم أنها ترضى بدور المقاول من الباطن لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يعمل على إسقاط الدول بإسقاط أهم مؤسساتها؟

المشهد في دول الربيع العربي لا يبعث على الاطمئنان عند بداية الجواب على السؤال الأول، لأن النخب التي أفرزتها مسارات الربيع العربي قد أظهرت شبقا مخيفا للسلطة، يدفع بها إلى سلوك نفس الدروب التي قادت النظم الساقطة إلى الاستبداد، بممارسة الإقصاء، واستغلال أدوات السلطة ابتداء لخدمة مصالحها، والتحايل بالقانون تماما كما كانت تفعل النظم الساقطة بدل التنفيس عن الشعوب.

الأخطر من ذلك أن مركز الحكم فيها بدأ ينتقل من المؤسسات المنتخبة إلى مرجعيات غير منتخبة تحكم خلف الستار، حتى أن المالك للسلطة الفعلية اليوم في تونس هو الشيخ راشد الغنوشي، وليس رئيس الحكومة من الأغلبية المنتخبة، ولا يبدوا أن الرئيس المصري المنتخب قادر على التحرر من واجب الطاعة والولاء لمرشد الإخوان، الذي يدفع به إلى الصراع المبكر مع العسكر والقضاء وبقية مؤسسات الدولة المصرية، وإشاعة مخاوف عند المصريين من إنتاج الإخوان لنظام ولاية الفقيه لأهل السنة.

.

إلى تجديد نظام ولاية الوكيل

الوجه الثاني من المشهد، وهو الأخطر في اعتقادي، يكشف عن تزايد الحضور الأمريكي وأثر اليد الغليظة التي باتت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ينتقد حكامها القضاء المصري علانية، وتتدخل السفيرة الأمريكية كما كانت تفعل زميلتها في الأزمات اللبنانية، ويتباهى وزير دفاعها أمام كبار كتاب الأعمدة في الصحافة الأمريكية، أنه هو من أقنع العسكر المصري بضرورة ترجيح كفة مرشح الإخوان، ربما لتجديد نظام ولاية الوكيل من الأهالي عن إنفاذ سياسة سيد البيت الأبيض، حتى أن بعض التونسيين يسخرون من رئيسهم الجديد الذي تحول إلى حامل شمعدان للدبلوماسية الأمريكية في الملف السوري، فيما تذعن حكومة النهضة لأمر تسليم رئيس الوزراء الأسبق لمليشيات النظام الليبي الجديد.

” مركز الحكم بدأ ينتقل من المؤسسات المنتخبة إلى مرجعيات غير منتخبة تحكم خلف الستار، تدفع بالقادة المنتخبين إلى الدخول في صراع مع مؤسسات الدولة، وإشاعة المخاوف من إنتاج نظام ولاية الفقيه لأهل السنة”

ومع كل ما نستشعره من مخاوف حيال تطويع الأمريكان للتيار الإسلامي كما نجحوا في العراق، واستعمالهم في إضعاف مؤسسات الدولة، فإن تحريك الشارع العربي بطرق الإدارة عن بعد والضخ الإعلامي المتواصل، قد كانت له آثار جانبية صحية للغاية، هي التي يعول عليها في إبطال سحر السحرة ومن تبعهم من الغاوين، وأن شعوب الربيع العربي التي ذاقت طعم الحرية، وتحررت من الخوف، سوف لن تسمح بعودة الاستبداد حتى لو تقلنس بالعمائم، وأطال اللحى، واستدعى الدين للتربص بالدنيا، وأن حكام الربيع العربي الجدد الذين يستقوون اليوم بالأخ الأمريكي الكبير مآلهم هو مآل من سبقهم من الحكام العرب الذين غررت بهم سفيرات الولايات المتحدة الأمريكية.

مقالات ذات صلة