الرأي

العراق… بعد الطائفية المسلحة

صالح عوض
  • 3923
  • 3

فضيحة‭ ‬على‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزيون‭ ‬لحقت‭ ‬بنظام‭ ‬المالكي،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬يصرخ‭ ‬الموقوفون‭ ‬بتهم‭ ‬قضايا‭ ‬إرهاب‭..‬‮ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أوقع‭ ‬القضاة‭ ‬والضباط‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬منها‭ ‬مخرجا‭..‬‮ ‬هكذا‭ ‬عاد‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحكام‭ ‬الجدد‭.‬

العراق وما أدراك ما العراق؟! أربع وعشرون مليون نخلة أو يزيد تضج بعسل في الحلوق وعلى أوتار الألسنة.. معدن الرجولة ومصنع الحضارة ومعين الفلسفة والفن.. روح الحرية والتنوع، حرف اللغة الأول، وبداية الترجمة بين البشر، مرقد الأئمة الأطهار وآثار الفلاسفة الكبار والصوفية وأهل الله العارفين من أوليائه الصالحين.. وعلى ترابه ألقى الحسين أبو عبدالله رضي الله عنه شهادته على العالمين بأن أرسى أول معلم من معالم الدفاع عن حقوق الإنسان.. فحق ان يطلق عليه مصنع الحضارات وأن أكثر حججه امتلاء بأنه كذلك تكمن في إعلان الإدارة الأمريكية حربا عليه منذ عشرات السنين.. العراق قدره ان تجتاحه قوات المحتلين فتحرق كتبه وتقتل علماءه، هكذا فعل الغزاة دوما.. ولكن قدره كذلك ان يكون كسيدنا إبراهيم يخرج من تحت النيران بسلام وبرد.

ومن الأقدار القاسية التي ألمت به اجتياح قوات الغربيين بقيادة الجيش الأمريكي له في مطلع القرن الواحد والعشرين ولقد ألحقوا به خلال عامين من القتل ما لا يمكن تحمله ولكن السيء في هذه الحملة إطلاق العنان للروح الحيوانية في التفسخ الطائفي ومحاولة التمزيق الرهيب داخل النسيج الاجتماعي وتفتيت شبكة العلاقات الاجتماعية وتحميل الضمير الشعبي والوعي الشعبي ثقافات شريرة وجر المجتمع الى أتون حرب لا تنطفئ نيرانها.. لقد ضرب التمزيق القوميات وأتباع المذاهب الفقهية.. وكان المالكي أحد اعنف الرموز حماية للطائفية وحراسة للنهج الدكتاتوري،‭ ‬وتورط‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬مجازر‭ ‬واسعة‭ ‬ترتقي‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬المعارضين‭ ‬لا‮ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬السنة،‭ ‬حيث‭ ‬زج‭ ‬بالمخالفين‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬سجون‭ ‬سرية‭..‬

لقد‭ ‬تسلحت‭ ‬الطائفية‭ ‬المقيتة‭ ‬بأنواع‭ ‬الجريمة‭ ‬وهاجت‭ ‬الروح‭ ‬الجاهلية‭ ‬في‭ ‬أتباع‭ ‬المذاهب‭ ‬وأرجعونا‭ ‬الى‭ ‬أسوأ‭ ‬درجات‭ ‬الانحطاط‭ ‬البشري‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬وقول‭ ‬رسول‭ ‬الله‭.‬

تغول المالكي وعن يمينه وشماله طائفية مسلحة هتكت ستر المساجد وشنت الهجوم على المعالم واعتدت على كرامات الرجال في حملة لا يمكن تخيلها.. وامتد تغول المالكي الى الطوائف جميعا والقوميات جميعا ولم يسلم منه الشيعة، فلقد شن الغارات على النجف وعلى مواطن الشيعة وان كان‭ ‬صبرهم‭ ‬عليه‭ ‬أجل‭ ‬مواجهاتهم‭ ‬الإعلامية‭ ‬معه‭.‬

الآن يبدو ان الجميع يلتف حول الفكرة الأصيلة التاريخية في العراق، فكرة المواطنة، وبدأت الأصوات الشيعية المسموعة تظهر للعلن لإيقاف مهزلة المالكي وتنحيته من موقعه بعد ان أصبح وجوده مهددا للوحدة الوطنية العراقية.. وبواقعية التراكم يتنادى العراقيون الآن من كل المواقع‭ ‬لتكريس‭ ‬ثقافة‭ ‬المواطنة‭ ‬وتجاوز‭ ‬الطائفية‭ ‬المسلحة‭ ‬والانتقامية‭.‬

العراق هو أحد مواقع النهضة العربية الأساسية وان التحرك نحو إسقاط الطائفية فيه وإخراج كل أشكال الاحتلال منه يعني بوضوح ان قوة عربية رئيسية تدخل على المشهد تتعاضد مع مصر الثورة لتشكيل ثنائية عربية ضرورية تنقذ المشرق العربي من الانهيار وتقدم نموذجا ضروريا للتعاون مع الجوار الإسلامي المتمثل في تركيا وإيران.. ولتبدأ من هنا صياغة خطاب جديد وواقع سياسي مختلف نعد معه خطواتنا نحو القدس ووحدة الأمة.. أكيد ان المسألة ليست بمثل سهولة الكلمات؛ ولكن لا بد مما منه بد.

مقالات ذات صلة