-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العربية العامية تؤسس للإعاقة الحضارية (2)

عمر أزراج
  • 2584
  • 0
العربية العامية تؤسس للإعاقة الحضارية  (2)

عندما وصلتُ إلى بريطانيا في عام 1986م، توجهت فورا إلى معهد تدريس اللغة الانجليزية بالعاصمة لندن، لأبدأ تعلم هذه اللغة، وكان هدفي الأساسي هو الاطلاع مباشرة وبدون الاعتماد على الترجمات، على ما أنتجه العقل الانجلوساكسوني من آداب وفلسفة وفنون وعلوم، وأذكر أنني في إحدى الحصص الدراسية لفظت كلمة انجليزية لفظا مصابا بالاعوجاج، فالتفتت إليّ المدرّسة وقالت لي حرفيا بلطف مغلف بالعتاب: “يا سيدي أنت تُزعج شكسبير في قبره”.

أذكر أيضا أن إدارة المعهد قد وضعت شروطا لنا ومن بينها ألا نتحدث في المعهد بأي لغة غير اللغة الانجليزية لأنه بدون ذلك ستكون عملية تعلّم هذه اللغة متعثرة وفاشلة، في المجتمع البريطاني توجد اللغات التاريخية وهي الويلزية في ويلز، والغيلية في اسكوتلندا، والايرلندية في إيرلندا الشمالية والكورنيش في كورنويل، إلى جانب 33 قومية يتحدث أصحابها فيما بينهم بلغاتهم القومية الأصلية، ولهجاتها الثانوية التي لا تقل عن 80 لهجة، ولكن لغة العلم والإدارة والفكر في المؤسسات التابعة للدولة هي اللغة الانجليزية الفصيحة، ومعها لغات المقاطعات المشكِّلة للاتحاد البريطاني المذكورة آنفا، أما في مؤسسات التعليم التابعة للقطاع الخاص فهناك تدريسٌ باللغات الفصحى المختلفة مثل العربية،  والأردو، والسواحلية، والفرنسية وغيرها، ولكنني لم أسمع بكلية أو جامعة تعلّم اللهجة الدارجة قصد جعلها بديلا  للغات الفصيحة، أو بطالبٍ تخرج بالماجستير أو بالدكتوراه في علم الفلك، أو في الرياضيات، أو في الفلسفة، أو نظرية الثقافة، بالعامية أو بسبب إتقانه لهذه اللهجة العامية أو تلك، ما عدا أولئك الذين كرّسوا أطروحاتهم لدراسة تاريخ ومضامين وفنولوجيا لهجة معينة. وفضلا عن ذلك فإن جميع المؤلفات الفلسفية، والرياضية، والعلمية، والأدبية التي تباع في المكتبات وتستقطب محبي المعرفة وطلابها فهي مكتوبة باللغات الفصحى الراقية، وليس باللهجات العامية التي تعتبر أشكالا ثانوية للغات، وهي تستخدم فقط في التخاطب اليومي وفي إطار فضاء هذه الإثنية أو تلك الإثنية الأخرى، في هذا السياق بالذات أتذكر بعض الجلسات المثقفة والدافئة التي كانت تجمعني من حين لآخر بالمثقف الجزائري الراحل مولود قاسم، وكم كان يحثني على أن أقرأ كتاب “خطابات إلى الأمة الألمانية” للفيلسوف الألماني فيخته الذي كرس فيه جهده لإبراز عبقرية لغته وارتباطها بالهوية الحضارية لأمته. وبهذا الخصوص أتذكر أيضا ما قاله الفيلسوف هيغل بأن الموسيقار بتهوفن قد جعل الموسيقى تتكلم اللغة الألمانية، أما الشاعر غوته فقد جعلها تصدح بالشعر والأدب الراقي، أما هو فقد كان مسعاه محددا في جعل الفلسفة تتكلم اللغة الألمانية.

في السياق الغربي دائما، فإن الدواعي التي كانت في العمق وراء إبداع تخصّص حقل فلسفة اللغة هو الرقيّ باللغة، وجعل العبارة مطابقة تماماً للحال، كما يقول ابن خلدون، وقابضة على الفكرة من جهة، ومن جهة أخرى فإن منشأ التداولية باعتبارها ركنا من أركان فقه اللغة الحديث يعود في الجزء الأكبر إلى دراسة المعنى في علاقته بالسياق الذي يكتب أو يتحدث ضمنه الشخص، إن هذا يشمل السياقات الاجتماعية، والوضعيات، والنصية، والخلفية المعرفية، أي ما يعرفه الناس عن بعضهم البعض وعن العالم.

إن التداولية تفترض مسبقا أنه عندما “يتواصل الناس مع بعضهم البعض فإنهم يتبعون عادة نوعاً من مبدأ التعاون، أي أنهم يملكون فهما مشتركا للكيفية التي ينبغي عليهم أن يتعاونوا في تواصلهم”، كما يؤكد الدارس داريان بالتريدج. ولاشك أن مبدأ التعاون هذا لا توفره العامية لشعب كامل في وطن واحد جراء تعدد عامياته وتعدد طرائق لفظ الكلمات، وتباين معانيها من قرية أو مدينة إلى قرى ومدن أخرى، وفي الحقيقة فإن الشعب الذي لا يبدع، في مساره التاريخي الطويل، لغة مشتركة بكل مفاهيمها وقصديتها سيبقى مصابا بإعاقة حضارية، وغير موحّد في طرائق التعبير عن مشاعر أفراده، وبالتالي فإن فهم هؤلاء للعالم سيكون دائما مختلفا وربما متناقضا ومثيرا للالتباس والتضاد وسوء التقدير والتفاهم.

وفي التاريخ اللغوي- الثقافي العربي مساجلاتٌ كثيرة حول العربية الدارجة “العامية” ومدى قدرتها أو عدم قدرتها على أن تكون لغة عالمة؛ أي لغة العلم والفكر والآداب الرفيعة التي تتضمّن مبدأ التعاون الذي يتحدث عنه مفكرو وفلاسفة التداولية، كما نجد تباينات في هذا التراث تخص مدلول اللهجة، أو العامية، وبشأن تحديد اصطلاح مدلول”الدارجة” أو”العامية” فإننا نجد قاموس “المنبع الموسّع” يفصّل في معاني  كلمة “الدارج”، مُبرزا أنها تعني أن الصبي الدارج هو الذي يدبّ وينمو، أما الغبار الدارج فهو الذي تنثره الرياح وتدرج به، كما يعني الدارج الشيء المألوف الروتيني، في حين تعني القبيلة الدارجة التي تصنف ضمن الدوارج بأنها تلك التي أصبحت منقرضة، فهل نريد نحن أن تنثرنا الرياح، وأن ننقرض أو نصبح مثل قائمة الدابة التي تدرج؟

وفي الجزء القادم من هذه المساهمة سأناقش مشكلة تباين وجهات النظر حول  العامية في تراثنا اللغوي والفكري، ومن ثم سأخصص فضاءً لتحليل العقبات التي تعترض العامية، وتحول دونها ودون التمكّن في بناء العقل العلمي وفي إنتاج الفكر المجرد العالم أو التعبير عن أشكاله المختلفة.

هوامش:

* في المجتمع البريطاني توجد اللغات التاريخية وهي الويلزية في ويلز، والغيلية في اسكوتلندا، والايرلندية في إيرلندا الشمالية والكورنيش في كورنويل، إلى جانب 33 قومية يتحدث أصحابها فيما بينهم بلغاتهم القومية الأصلية، ولهجاتها الثانوية التي لا تقل عن 80 لهجة، ولكن لغة العلم والإدارة والفكر في المؤسسات التابعة للدولة هي اللغة الانجليزية الفصيحة، ومعها لغات المقاطعات المشكِّلة للاتحاد البريطاني المذكورة آنفا. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • لخضر

    ياأخي العامية هي انحدار فكيف تُعدَّل ؟ وهي مزيج من اللغات كيف تُصبح لغة ؟ تعديلها يكون باتقان الفصحى لغة القرآن ولغة العلم لعدة قرون .

  • بن ثامر مارية

    مع احترمنا للاديب الجزائري الذي كاد ان ينتحر يجب عليه ان يفرق بين مخاطبة مدرسة لادي مثله وبين مساعدة تلميذ دخل لتوه من اللعب الى الدراسة ومحاولة ادماجه بلطف فى محيطه الجديد

  • عمر الفرزدق

    نشكرك أستاذ على هذا المقال الهادف ومن خلا ل تدخلي أدعو جميع المثقفين أصحاب العقول المستوية والضمائر الحية وذووا الذوق الحضاري الجميل أن يكثفوا من تعليقاتهم وتدخلاتهم في هذا الموضوع ليفضحوا مشروع جر الجزائريين الى حضيرة الحيوانات و مهازل الشعوب حتى تطرد مسببة هذا الفيروس من على رأس المؤسسة التربوية لأن بقاءها مضر حتى ولو اعتذرت .... لأن من يفكر (مجرد فكرة) في مثل هذه الأمور لا يصلح في بناء الصرح التربوي الحضاري المأمول وجازاكم الله كل خير.

  • سليمdz

    صدقت فيما يخص تعليم اي لغة اذ يجب ان تدرس كما هي فصيحة و ليس بالعامية او بالترجمة
    يحظرني في هذا المقام ان اتذكر استاذة الانجليزية في المتوسط بداية السبعينات و هي جزائرية حين كان التعليم له اسس و منظومة راقية
    كانت تعلمنا هذه اللغة بدون شرح لا بالعربية و لا بالفرنسية و تقول=ان اردتم تعلمخا و اتقانها خذوها كما هي=و والله لم تشرح كلمة واحدة طول السنة الا بالانجليزية و اشكرها على ذلك لاني مازلت اتقنها بعض الشيئ الى يومنا هذا

  • فتح الله

    تجربتكم في تعلم الانجليزية تأكد المبدأ الأساسي المعروف لدى خبراء البيداغوجيا و الذي يأكد أن "الغة تكتسب و لا تفهم" خاصة عند تعليم الأطفال. و بذلك لا حاجة مطلقا للعامية , بل ان استعمال العامية أو أي لغة أخرى هو عائق لعملية "اكتساب اللغة".
    و شخصيا لا أعتقد أن من تولوا زمام التربة و التعليم في هذا البلد (من أمثال بن بوزيد, بن زاغو, أو بن غبريط) يجهلون ذلك , مما يجعلنا نشكك في نوايا القرارات المتخذة , و التي حطمت التعليم في هذا البلد خاصة تعليم اللغات (كل اللغات) و التي أنتجت جيلا لا يقرأ و لا يعي.

  • سعد الأميري

    لا فض فوك هذا كلام المتخصصين والخبراء ورأيهم في التدريس بالعامية فعن أي خبراء اعتمدت الوزيرة؟ خبراء فرنسا وخبراء أعداء الللغة العربية، إنه مع الضحالة اللغوية التي يعاني منه التلميذ والطالب الجزائري كان الاجدر البحث عن أسباب هذا القصور ومعالجته لا القفز عليه وطرح مبادرات مشبوهة لا تقدم شيئا بل لها آثار وخيمة على مستقبل الأجيال

  • بدون اسم

    وهل العاميه الا سوقيه شواريعيه . كل محاوله لاضفاء الشرعيه عليها خيانه و عماله لفرنسا

  • نصرو الجزائري

    التدريس بالعربية امر مفروغ منه ولايمكن بين عشية وضحاها انتحل محلها العامية وبالمقابل لابدمن ترقية اللهجة العامية عبر وسائل الاعلام اوحتى ادراجها في التدريس حتى تندمج بشكل محترم مع المجتمع فتركها كلغةمخخصةللشارعكما تسمونها سيزيدها ضياعا واحتقارا ومزيدا من الالفاظ الغريبة والسوقية

  • ابن الجنوب

    قديكون لنشئتك في مرحلة الطفولة وما تبعها من مرحلتي المراهقة والشباب تأثير في ما تكتبه ومازادك كتاباتك تووازنا وأفكار ذات أسلوب علمي في التحليل ومنطقي في الفهم هو سفرك إلى مختلف بلدان العالم واطلاعك على تجارب الآخرين باعتبارك رجل فكر ولكن كل هذا لن يفيدهذا المجتمع الذي تطبعه صفتان هما الخيانة والجهل وبالطبع كلامي لايعمم على كل أفراد المجتمع لكن الأغلبية معنية وإلا كيف نفسر محاولة فرض اللغة الفرنسية التي وظفت لتجريد الانسان الجزائري من كل مقوماته الحضارية واستبدالها بشخصية هجينة

  • عامر بغدادي

    بورك فيك يا سي عمر على هذا المقال القيم وبورك في البيت الذي انجبك، عرفتك عبر مقالاتك في مجلة الدستور اللندنية في السنوات العشرين الاخيرة من القرن الماضي، فمازلت على نفس النهج لم تغيرك سنوات الغربة ولم تغيرك الرياح التي عصفت بالجزائر ولم تعبث تلك المتغيرات بنفسيتك. فلك منا كل الشكر يا سي المليكشي. ونشكر جريدة الشروق التي فتحت امامك نافذة تطل منها على المجتمع وهموه بفكر متفتح بعيد عن الخواء الفكري والتعصب لعالم المعيز حتى ولو طاروا .

  • rahim

    أول مرة أقرء تعليق عن موضوع يعالج قضية راهنة بالجزائر بهذه الروعة والحنكة والعلمية ومع احترامي للأسماء الثقيلة التي تكتب ليومية الشروق من صحفيين أو كتاب إلا أنهم دائما مع ما يدخلون متاهة الارتجالية والانفعال فتصبح مدخلاتهم أشبه بتلك التي نقرأها بالفسيبوك حتى لو تفننوا في اقتناء كلماتهم لكنهم لا يخرجون عن إطار النقد والتحامل والمزايدة رغم أنهم أكثر من يدرك بأن حال جزائر اليوم نحن كلنا فيه مشتركون فالجدير بنا أن نقدم معارف ومعطيات تستحق أن تكون بديلا لحل المشكل ولو في إطار هذه التعليقات الصحفية

  • Azerradj

    bravo pour cette acharnement de défendre une langue étrangère a celle que votre maternelle vous a bercer.quelle gachet pour ta langue maternelle

  • مثقف

    الامر يختلف في الجزائر
    لاحظ انحراف اللهجة الجزائرية في زمننا هذا
    نظرا الى التراكمات و الشوائب التي خلفتها فرنسا في لهجتنا
    حتى اصبح الجزائري مشهور بانه يتكلم العربية مع فرنسية في وقت واحد
    وكذالك الامازيغ يتكلمون كلمة امازغية و كلمة فرنسية
    فهل كل هذا الخلط المتراكم من الماضي يسمى لهجة جزائرية
    و على حسب ما فهمته حتى الان
    الوزيرة لم تمنع اللغة العربية من المدارس
    هي تقصد ان تعلم اللهجة الجزائرية مع العربية بشكل اضافي محدد في الابتدائي
    فلا باس بان يجدد لسان الجزائري الاصيل في ذاكرة الطفل الصغير

  • عبد الرزاق

    أنا سعيد أنا قلبي ينام بلندن ويستيقظ في الجزائر.....بوركت استاذ على هذا المعين الثر، وانت المتخصص في الادبيات تجلو لنا آفاقا في اللسانيات والتداولية...حق لك أن تكون سفسيرا في شتى مناحي الحياة

  • أبو يحيى

    تجربتكم في تعلم الانجليزية تأكد المبدأ الأساسي المعروف لدى خبراء البيداغوجيا و الذي يأكد أن "الغة تكتسب و لا تفهم" خاصة عند تعليم الأطفال. و بذلك لا حاجة مطلقا للعامية, بل ان استعمال العامية أو أي لغة أخرى هو عائق لعملية "اكتساب اللغة".
    و شخصيا لا أعتقد أن من تولوا زمام التربة و التعليم في هذا البلد (من أمثال بن بوزيد, بن زاغو, أو بن غبريط ...) يجهلون ذلك, مما يجعلنا نشكك في نوايا القرارات المتخذة, و التي حطمت التعليم في هذا البلد خاصة تعليم اللغات (كل اللغات) و التي أنتجت جيلا لا يقرأ و لا يعي.