الشروق العربي

العرب في محل إعراب

عمار يزلي
  • 2275
  • 0

العالم العربي يتجه خلال هذه السنوات الأخيرة نحو تقسيم جديد! تقسيم المقسَم الذي أنتجه انهيار الدولة العثمانية واتفاقية سايكس بيكو فيما بعد والتي قسم على إثرها إرث الرجل المريض الذي مات بعد آثار!.

فتركيا العلمانية التي أتت إلى هذا التوجه الليبرالي الغربي مع “أتى ترك” وكرست الدكتاتورية العسكرية باسم العلمانية إلى اليوم، قد بدأت تعود لحاضنة “العثمانيين” مع السلطان أردوغان الذي يعمل على إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل سايكس بيكو! والأحداث الأخيرة التي عرفتها تركيا وخاصة بعد المحاولة الفاشلة لخامس انقلاب عسكري، وما نجم عنه من عمليات تطهير للمؤسسة العسكرية والحياة المدنية من مخلفات المحاولة ومن يقف وراءها بحسب تقييم الأتراك (جماعة عبد الله غولن)، توحي كلها بأن يد السلطان أردوغان باتت طويلة لاستعادة دور تركيا المحوري في منطقة البلقان!. لقد باتت تركيا تعرف أن إيران وروسيا هما الحليفان الأكثر وثوقا قياسا بأوروبا وأمريكا! الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يمني تركيا منذ أكثر من نصف قرن من أجل الدخول في فضائه، من خلال مفاوضات هي الأطول في التاريخ! ومع ذلك لا يزال حتى مشكل الفيزا مطروحا بين الأتراك والفضاء الأوروبي، ناهيك عن الدخول الكلي في السوق الذي خرجت منه بريطانيا كارهة! الأمريكان، يلعبون على الحبال ويتآمرون على مستقبل تركيا، وإسرائيل “لم تكن لتذرف دمعة واحدة” على سلطة أردوغان لو قدر الله وأن نجح الانقلاب! هكذا تقول معاريف الإسرائيلية! مع ذلك سعى أردوغان للعودة إلى تطبيع هش لعلاقته مع إسرائيل ولكن التطبيع الأكبر سيكون مع روسيا وإيران! قد يكون هذا على حساب موقفها من النظام السوري، لكن الأسد لا يخيف وسوريا موحدة تعمل لصالح مصالح إيران ورسيا، قد تفيد المصالح التركية أكثر مما كان يفيدها سقوط نظام الأسد وسيطرة القوى التي تساندها دول الخليج والسعودية على رأسها والتي تعني أن الأمريكان هم من يساند هذه القوى “الديمقراطية” و”الإسلامية المعتدلة!”.

سوريا قد تكون عرضة لتفتيت بين الشرق التي تسيطر عليه المعارضة وبين الغرب الواجهة البحرية التي بالتأكيد ستبقى في أيدي علمانية أتباع الأسد وروسيا بما تضمه من قواعد عسكرية بحرية وقوة إستراتيجية اقتصادية وعسكرية!.

العراق هو الآخر يتجه نحو التفكك، إلى منطقين، على الأقل في الوقت الحالي: الشمال حيث الحزام الكري الذي تخشى كل من سوريا وإيران وتركيا من تمدد رقعته لتكوين أمة تركية عابرة للقارتين! وهذا ما يزيد من مخاوف إيران والعراق وسوريا والأتراك بشكل خاص! لكن الغرب ماض في تقوية الأكراد على حساب الدول العربية تمهيدا لتفكيك المنطقة من جديد بين أكراد وشيعة وسنة! يحدث هذا في اليمن! وليس من المستبعد أن نرى يمنيتين من جديد: شمال وجنوب! الحال نفسه مع ليبيا الذي قد ينجر عنه انفصال شرق ليبيا عن غربها لينفصل بعدها جنوبها عن شمالها! وهذه كلها سيناريوهات مرتب ومخطط لها سلفا: مسألة هل تنتج أم لا؟ فتلك مردها لموازين القوى والتطورات الدولية والإقليمية اللاحقة في المنطقة، خاصة إذا علمنا أن سياسية التفريق وتقسيم المقسم وتفتيت المفتت هي من الإستراتيجيات الكبرى لدول الهيمنة في زمن بدا في الصراع أكثر ضراوة تحت غطاء مكافحة الإرهاب الإسلامي وعلى رأسها داعش بعد أن انتهت حكاية بعبع الغولة “القاعدة”!! وقد لاحظنا كيف أن الإسلام صار مطية للأمريكان والغرب لدخول البلدان العربية الإسلامية وتمزيقها إلى كنتونات لفائدة الرابح الأكبر (وهو الخاسر حتما في نهاية المطاف!) هي دولة الكيان الصهيوني!.

نمت على هذه الهوس من هذه الضربات الموجعة لعالم عربي يترنح، فيما تعمل قوى يائسة على رد فعل بائس ضد الأنظمة الحاكمة المتحالفة والمتعاونة والساكتة عن هذا التدخل السافر في البيت العربي وتسييره كما لو كان حديقة خلفية لها، لأجد نفسي في 2070م!

لم تعد الجامعة العربية تسمى كذلك! صارت تسمى “حلبة القبائل” وصار مجلس الأمن يسمى “قيادة الأركان الأممية”، فيما صارت هيئة الأمم المتحدة تسمى “برلمان الولايات” بعد أن صار كل بلد يعد ولاية أممية يخضع لقانون مجلس رؤساء الغرب وأمريكا بالتناوب! العرب لا وجود لهم إلا من خلال ممثلي القبائل المتناحرة على ما تبقى من بقايا زمن النفط المجيد!: السعودية انقسمت إلى قبائل: قبيلة نجد وتهامة والأوس والخزرج وبكر وتغلب (التي لا تغلب غير “طاطا” أختها!)! صارت تسمى “مملكة قبائل شبه الجزيرة”، فيما منحت قبائل الشرق الشيعية لواء آل البيت ومفاتيح الكعبة التي أخذت من بني شيبة!. مصر قد أنهكها حكم السيسي وما بعده حتى صارت مصر تسمى “مصر سابقا”! غرقت في الفوضى والفقر وانقسمت إلى شمال وجنوب: الجنوب انضم إلى السودان الذي انقسم هو الآخر إلى شرق وغرب بحسب انتماءات القبائل “البقارة” والجمالة”!، ليبيا عاد إليها سيف الإسلام ليقضي على ما تبقى من رائحة الإسلام، بفضل وكرم وجود فرنسا وإيطاليا! والآن هناك مقاومة ثانية لعمر “المحتار” على أطراف بنغازي وسبها وطرابلس! تونس، لم تقسم لأنها أصلا لا يمكن تقسيمها، فهي في الأصل مسكينة ما فيها ما يتقسم! وصار شعارها أغنية لناس الغيوان “قلال قلال أحنا واش فينا ما يتقسم ياي ياي يا عيني ضوي”! لكنها انقسمت ما بين علمانيين وإسلاميين، وساد العلمانيون على قلتهم بفعل تدخل فرنسا وأمريكا! في الجزائر! صارت كل ولاية لها استقلالها الذاتي بعد سياسة الحكومة مع الولاة والأميار في أن يدبر رأسه كل والي وكل مير! ينمي ولايته أو يتخذ! الدولة لم تعد تملك مالا! بحح! والبعض صار يفكر في بيع ولايته بالمزاد العلاني لولاية مجاورة أو لم لا إلى البلدان المجاورة إذا “عطاوه السومة!”، المغرب لمّا لم يظفر بالصحراء وخرج يصفر من “الوخدة” الإفريقية، ثار سكان الجنوب المغربي وطالبوا بالاستقلال عن الشمال وشكلوا مراكش عاصمة للمرابطين الجدد! ولم يبق للشمال غير الرباط وسلا وما جاورها، فيما ذهبت طنجة والدار البيضاء لفرنسا فيما عاد ساحل المحيط من الناظور إلى سبتة إلى مليلة إلى فيغيغ إلى الداخلة إلى ريو دورو كلها لإسبانيا “المودية اللي طغاة على الريف”!. موريتانيا انقسمت إلى ثلاث دول لا تدل على دولة: دولة “مور” (ميتة) ودولة “طا” الإفريقية التوجه و”نيا” القبلية الرعوية بلا رعي!.

دول الخليج، لم تعد دولا، تحولت إلى قبائل رعوية متداولة بين فارس والروم،  قبائل رعوية متمدنة في غاية التخلف المدني! بعد أن جفت منابع النفط وعادت الشركات الأجنبية العاملة بها ومعها الأيادي العاملة  لها إلى الهند والسند! تفرّقت إلى قبائل تهجو بعضها بعضا وتقوم بغزوات بحثا عن متاع وسبايا وغنائم كما كانت في السابق وأكثر! حتى الشعراء ما عادوا يشعرون، بل إذا شعر أحدهم بشعر، يرطن بلغة إنجليزية أو هندية مكسرة! حتى أنك لا تعرف إن كان يتكلم بالعربية أو يرطن بلغة الببغاوات! أما العراق وسوريا والأردن، فحدث ولا حرج! دخل هذا في ذلك حتى أنك لم تعد تعرف الشامي من البغدادي وأتباع الديلم من أنساب العبادي ومن هو الشيعي العربي ومن هو السني الوهابي ومن هو الصفوي الفارسي ومن هو الكردي البريطاني والكري الباريسي!.

فلسطين هي الوحيدة التي بدأت تتحد من أجل الخلاص من عدو كل الناس!

وأفيق على وقع زلزال بأربع درجات في مقياس “الله يستر”!.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!