الرأي

العسل الأمريكي يبقى مرا في الجزائر

عابد شارف
  • 6074
  • 12

رغم كلامها الجميل عن الديمقراطية والحرية، لم تجد السيدة هيلاري كلينتون آذانا صاغية، لا في السلطة ولا في الشارع…

شرّفت السيدة هيلاري كلينتون بلادنا ببعض النصائح خلال الزيارة الخاطفة التي قامت بها بداية الأسبوع إلى الجزائر، قبل أن تعطي درسا في الديمقراطية وتتكلم عما سيفيد بلادنا. وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية إنه من الضروري إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في اتخاذ القرارات التي تهم مستقبل البلاد، وأكدت أنه لا يمكن للحكومة أن تنفرد بالقرار، وأن الطبقة السياسية لا تكفي لصنع مستقبل الجزائريين.

ونتساءل: من يستطيع أن يرفض هذا الكلام الذي أباحت به المسؤولة الأمريكية؟ ألم يدفع الجزائريون ثمنا غاليا ليتمكنوا من التحكم في مصيرهم، ويحصلوا على حقهم في صنع القرار الذي يتعلق بتسيير شؤون بلادهم؟ ومن هذا المنطلق، فإن كلام السيدة كلينتون من عسل، ولا يمكن إلا أن نوافق عليه

وفي مجال أوسع، تكلمت السيدة كلينتون عن المغرب العربي، وقالت إن شعوب المنطقة “تحتاج إلى اتخاذ القرار بنفسها، وهي تستهل ذلك”. ولاحظت أن كلا من الجزائر والمغرب يتعاونان مع الولايات المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب، وأنهما من أحسن الأطراف التي يمكن التعامل معها، لكن وزيرة الخارجية الأمريكية تأسفت لما لاحظت أن البلدين لا يتعاونان بينهما في ميدان الأمن. وأكدت أن البلدين “سيستفيدان بصفة مشتركة إذا قررا إقامة تعاون أكثر كثافة”.

ثم عادت الصورة التقليدية لأمريكا تدريجيا، وفرضت نفسها، وتذكر الجميع كيف سبق للمسؤولين الأمريكيين أن كذبوا في أعلى مستوى من أجل احتلال ثم تحطيم العراق، وتذكر الجميع أن الحرية لم تزر فلسطين بعد.

وهنا كذلك، لا يمكن الاعتراض على كلام الوزيرة الأمريكية. والكل يعترف أن انسداد العلاقة بين الجزائر والمغرب أمر غير طبيعي، وأن غلق الحدود بين البلدين شيء غريب في عصرنا هذا. وكيف يمكن للجزائر والمغرب أن يتعاونا مع أمريكا ومع فرنسا في ميدان محاربة الإرهاب بينما يرفضان التعاون بينهما؟

وأخيرا، كانت السيدة كلينتون واضحة جدا فيما يتعلق بعلاقة الولايات المتحدة مع الأحزاب في الجزائر، حيث قالت: “لا، نحن لا نموّل أحزابا في أي منطقة. ما نقوم به هو أننا نتعامل مع كل الأحزاب حول طريقة التحضير للانتخابات، كيف يتم تنظيمها بطريقة جيدة، وما السبل التي تضمن حرية الاقتراع”. وهنا، نكاد نصفق أمام خطاب مبني على العقل، ويرتكز على الحكمة، ويحترم مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، كما أنه يتخذ الحرية أساسا والديمقراطية مبدأ. وبصفة عامة، فإن وزيرة الشؤون الخارجية الأمريكية تدعونا لاحترام قواعد الحرية والديمقراطية، وللمشاركة في تسيير شؤون البلاد، والسعي المشترك لبناء المغرب العربي، وهي المبادئ التي سيتغنى بها كل من يدعي الديمقراطية في الانتخابات القادمة.

وهنا نتساءل: إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان خطاب السيدة كلينتون ينصر الديمقراطية والحرية لهذا الحد، فلماذا يثير كلامها كل هذه الشكوك لدى السلطة الجزائرية ولدى الرأي العام على حد سواء؟ لماذا لا يثق الجزائريون في كلام أمريكا إلى هذا الحد؟ هل نحن أغبياء أو مرضى لنرفض العسل القادم من أمريكا؟

والحقيقة أن الجواب بسيط جدا: إن تجربة الجزائر مع الخطاب الأمريكي أكدت أنه لا يمكن تصديق خطاب الدبلوماسية الأمريكية. وكان نفس السؤال قد فرض نفسه قبل سنة، مع بداية “الربيع العربي”، حيث وجدت الشعوب العربية نفسها في وضع لم تعرفه في السابق. وقد كانت الشعوب العربية آنذاك تريد التخلص من عدد من القادة المتسلطين الذين فرضوا الجمود على بلدانهم ومنعوها من التقدم. وفي نفس الوقت كانت الولايات المتحدة تريد التخلص من نفس القادة لأنهم أصبحوا يشكلون عائقا أمام سياستها الجديدة دون أن يضمنوا الاستقرار في بلدانهم، مما أصبح يهدد المصالح الأمريكية. وأصبحت مصلحة الشارع العربي تلتقي مع مصلحة أمريكا، وأصبح هدفهما واحد، وأعلنت أمريكا مساندتها للشعوب التي انتفضت، وظهر تعاطف كبير للشارع العربي مع السياسة الأمريكية، إلى درجة أن متظاهرين في ليبيا ومصر وغيرها أصبحوا يهتفون باسم أمريكا ويحملون العلم الأمريكي كرمز للحرية. وساهمت قوة “الجزيرة” في فرض هذه الظاهرة التي سيطرت عدة أشهر، قبل أن يستيقظ الرأي العام العربي من جديد وبصفة عنيفة لما شاهد مصير ليبيا.

ثم عادت الصورة التقليدية لأمريكا تدريجيا، وفرضت نفسها، وتذكر الجميع كيف سبق للمسؤولين الأمريكيين أن كذبوا في أعلى مستوى من أجل احتلال ثم تحطيم العراق، وتذكر الجميع أن الحرية لم تزر فلسطين بعد، وأن أهم سبب لذلك هو المساندة المطلقة التي تقدمها أمريكا لإسرائيل، كما استعادت الذاكرة هذه الحقيقة البسيطة: إن أمريكا تدافع عن مصالحها قبل مبادئها، وتحدد مواقفها حسب ما يخدم مصالحها، لا أكثر ولا أقل، وهي مستعدة لتساند أنظمة لا تعرف الحرية إن كانت تضمن لها مصالحها

وربما يقول قائل إن هذه الحجة هي بالضبط تلك التي يستعملها النظام الجزائري ليندد بما يسميها الأيادي الأجنبية، بهدف البقاء. هذا صحيح، لكن ذلك لا يعني أن الحجة باطلة. إنها فقط كلمة حق يريد النظام أن يستعملها ليصل بفضلها إلى باطل. فالنظام الجزائري يقول كلاما عن الوطنية ليبرر تسلطه، مثلما كانت أمريكا تحمل علم الحرية لتحطم فيتنام والعراقكلمة حق يراد بها باطل.

مقالات ذات صلة