“العشرية السوداء بالجزائر” في رمضان ولكن.. بعيون الدراما المصرية!
يتجدد الحديث عن السيناريو الجزائري مرتبطا بالراهن المصري في كل مرة يتم فيها تناول الأحداث هناك عقب الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني تعرفه أرض الكنانة، حيث لا يتوقف البعض عن وضع يده على قلبه خوفا من تكرار سيناريو الحرب الأهلية، علما أن هذا الأمر لم يعد مقتصرا على أهل السياسة فحسب، وإنما امتد حتى إلى الدراما المصرية في رمضان!
كان ملفتا للانتباه، المشهد الذي يجلس فيه أحد أبطال مسلسل “نيران صديقة” وهو الداعية الملتحي “طارق” أو الممثل عمرو يوسف داخل مكتب ضابط أمن الدولة “صبري فواز” حين يطالبه هذا الأخير بالموافقة على خطة اختراق الجماعة الإسلامية المقاتلة في مصر، لمعرفة خططها المستقبلية، ووأدها قبل أن يتضرر منها البلاد والعباد.. ووسط خشية الداعية من هذه التجربة، يفاجئه الضابط بالقول: أنا لا أعرض عليك اختيارا وإنما هو أمر عليك تطبيقه، أم تريد أن تتكرر تجربة السيناريو الجزائري في مصر!
المسلسل الذي ألفه محمد أمين راضي وأخرجه خالد مرعي، يمتد زمنه لنهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، حين تفاجأ العرب جميعا بفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات في الجزائر، وكان البعض يخشى من انتقال تلك التجربة قبل الانقلاب عليها عسكريا لبلاده، علما أن المسلسل يؤرخ كذلك للمرحلة التي عاشتها مصر من 1986 إلى 2009.. ويتعرض إلى جانب التجربة الديمقراطية الجزائرية والتي تحولت إلى حرب أهلية فيما بعد، لأحداث أخرى غيرت من شكل المنطقة وتاريخها، على غرار غزو الكويت وحرب الخليج، ثم حصار العراق، واتفاقية أوسلو.. كما يقدّم كل هذا وبحسّ شديد “على هامش أحداث المسلسل” ومن دون أن يشعر المشاهد أنه أمام تاريخ بأكمله، يتم استعراضه بطريقة درامية مبدعة، المثير للإعجاب فيها أن المؤلف محمد أمين راضي، شاب يخوض تجربته الأولى في الكتابة، أو على الأقل، فهو يظهر للعلن من خلال الدراما التلفزيونية للمرة الأولى!
المسلسل الثاني الذي يتحدث عن التجربة الجزائرية المريرة في التسعينيات، هو العمل الذي يقدمه الكاتب وحيد حامد ويتعرض فيه لصعود التيارات الدينية المتطرفة بين سنتي 1985 و1995، وذلك في المسلسل الذي يخرجه تامر محسن تحت عنوان مستفز.. “بدون ذكر أسماء”.. علما أن حامد سبق له التصريح أن العمل يضاف إلى مجموع ما قدمه على امتداد السنوات السابقة، من نصوص تعالج الواقع الاجتماعي للمصريين وتتعرض لصعود تيار الإسلام السياسي، وهنا يتذكر الجميع مسلسل “العائلة” الذي عرضه التلفزيون الجزائري في عزّ الأزمة التي عرفتها البلاد، أي منتصف التسعينيات، ولاقى شهرة واسعة بين الجزائريين لسبب مباشر وقوي.. أنه كان يتحدث عنهم، عن واقعهم ولكن بلهجة مصرية، ويتذكر الجميع هنا، الممثلة المصرية ليلى علوي بنقابها، والشاب المتطرف طارق لطفي “أو مصباح” بلحيته، كم كان هنالك من شاب جزائري يشبهه في تلك الفترة؟.. كما تأثر الجميع لمشهد اغتيال الممثل عبد المنعم مدبولي في تفجير داخل مقهى شعبي، في وقت كان الجزائريون فيه يستيقظون على نبأ مجزرة وينامون على دوي انفجار هنا أو هناك؟!
وفي الوقت الذي يتعاظم فيه هذا الاهتمام المصري، بما وقع في الجزائر خلال العشرية الحمراء، نجد أن هذه الأخيرة، وأحداثا أخرى مرتبطة بها، ما تزال وحتى كتابة هذه الأسطر ضمن المنطقة المحظور الاقتراب منها دراميا، وتحديدا في المسلسلات، وان وُجدت هنالك بعض المحاولات البائسة واليائسة والتي أساء بعضها – عبر الحذف والاختزال – للتاريخ الراهن أكثر من نفعه!
ولكن هل غياب الجرأة في الطرح، يعدّ السبب الوحيد وراء عدم تناول تلك المرحلة الصعبة وما يليها من أحداث، أم أنّ لغياب كتّابٍ في وزن وحيد حامد هو ما يجعل من مسألة الاهتمام بسرد الواقع الوطني آخر اهتمامات صنّاع الدراما المحلية منذ سنوات؟!
لماذا لم يستعن هؤلاء بالتجارب الروائية التي قدمها عدد من الكتاب القدامى والجدد، وباللغتين العربية والفرنسية، على امتداد عقدين أو ثلاثة عقود الأخيرة، والتي اشتغل أصحابها في معظمهم على جزئية العنف وصعود الإسلاميين، واغتيال المسار الديمقراطي والحرب الأهلية وصولا إلى المصالحة الوطنية ثم البناء السياسي بما له وما عليه؟!
تاريخ بهذا الثراء، حينما لا يشاهده الجزائريون عبر قنواتهم الوطنية، ومن خلال أعمال محلية خالصة، فلا شك أنهم سيتوجهون خارجا، إلى الدراما المصرية وغيرها.. لعل وعسى، يصادفون عبر متابعة أحداثها، إشارات تلخّص حالهم.. تاريخهم.. وتكشف وجعهم!