العصا والجزرة!
راسلني مؤخرا أحد المواطنين “الفحولة” يشتكي من “مسؤول محلي”، وقال في خضم تشخيصه لتفاصيل “الحڤرة” أن الشكوى لغير الله مذلة، وطلب مني أن أوفد مراسلنا بتلك الولاية ليتحرّى في الموضوع ويرفع المظلمة عن زوالي لا حول ولا قوّة له.
استمعت للرجل، استجبت لطلبه، وهذا واجبنا و“بلا مزيّة“، فاتصلنا بالمراسل، فقام بالاتصال بـ“المحڤور“، وبعد ثلاثة أيام أو أربعة، عاود المواطن المتصل بي في المرّة الأولى اتصاله، وقال لي بأن مراسل “الشروق” اتصل بعائلة المعني، وأن المسؤول إيّاه رفع الظلم عن المظلوم!
هذه القصة، أو العبرة، ما هي إلاّ نموذج واقعي لآلاف الشكاوى والمظالم، منها ما يصل الجريدة، باعتبارها وسيلة إعلامية مكلفة بتغطية انشغالات المواطنين وتسليط الأضواء على المقصيين والمهمشين والمهشـّمين!
لكن، إلى متى تبقى الأمور هكذا: لا يتمّ حلّ المشكلة إلاّ إذا كانت بضغط أو بهاتف أو بمعريفة أو ربّما بـ“تشيبا“، وإن كان بعض الظن إثم، إلاّ أن عديد الشكاوى تختزل المأساة في هذه المؤشرات؟
صاحبنا “المدير” الذي حلّ مشكلة المواطن الذي كاد ابنه “يروح في كيل الزيت“، قد يكون “خاف” من المسؤول الكبير عليه، بعد ما كتبت الصحافة واشتكى المواطن لها، وقد يكون استسلم لوخزة ضمير حتى وإن كانت متأخرة، وقد يكون استيقظ وتفطن لما هو قادم أو تيقن بأن المعني مظلوم فرفع عنه الظلم وأعاد له حقه المهضوم!
في مثل هذه الحالات، تصبح الصحافة مرآة عاكسة للواقع حتى وإن كان مرّا، ولا يجب تفسير عمليات رجع الصدى والتسويات اللاحقة، على أنها نتاج “ضغط وتخويف“، وإنـّما كم هو جميل عندما يتم تفسير مثل هذه الظواهر إيجابيا وبدون حسابات خاطئة تضرّ ولا تنفع!
قلنا وسنبقى نقول، بأن لجوء المواطن البسيط إلى توجيه شكاويه إلى المسؤول الكبير لإنصافه من “تجاوز” المسؤول الصغير، ولجوء هذا الزوالي إلى الصحافة، وإلى الرسائل المجهولة، لكشف قضية أو استرجاع حقّ، هو ظاهرة مرضية أكثر منها صحية، لأنه من المفروض أن المير لا ينتظر “دبوز” رئيس الدائرة، ورئيس الدائرة لا يتحرّك إلا بـ“عصا” الوالي، والوالي أو الوزير لا يتحرّكان إلاّ بأمر الوزير الأول أو رئيس الدولة!
الجميع بحاجة إلى ضمير وأخلاق، وقبل ذلك “يخاف ربّي” فتكون الأمور في نصابها ونتجنب منطق “العصا والجزرة“!