الرأي

العصف‭ ‬المأكول؟

الشروق أونلاين
  • 2788
  • 3

مرة أخرى انتهت جولة نار وضرب الحديد بالحديد بين الكيان الصهيوني ورجال صدقوا ما عاهدوا الله والناس عليه، من دون خسارة ومن دون صور الذل التي كان يرسمها جنود الجيوش العربية الكلاسيكية، التي كانت تبدأ الحرب تحت طبول زعمائها ووعودهم برمي العدو في البحر، وتنهيها‭ ‬بمشاهد‭ ‬تقبيل‭ ‬أحذية‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬نكسة‭ ‬1967‭ ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬حرب‭ ‬1973‭ ‬التي‭ ‬يسمّيها‭ ‬البعض‭ ‬بانتصار‭ ‬العبور،‭ ‬وهو‭ ‬فعلا‭ ‬عبور‭ ‬ولكن‭ ‬نحو‭ ‬الذل‭ ‬عبر‭ ‬سلام‭ ‬أخذ‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬الكرامة‭.‬

وإذا كانت القاعدة الاستعمارية الشهيرة هي “فرّق تسُد” فإن إسرائيل عرفت الآن أن تفرق أعدائها أمما وشيعا هو الذي سيعجّل بإزالتها، فقد كانت تدخل حروبا كلاسيكية تجمع فيها كل العرب بجيوشها وتنهي المعركة في بضعة أيام بغنائم أرض وآلاف الأسرى، ولم يحدث أن خسرت إسرائيل في حروبها من عام 1948 إلى اجتياح لبنان عام 1982 أي معركة، ولكنها الآن ومنذ أن انتقلت المقاومة من الكلام والحجارة إلى الحديد والنار أصبحت تعجز عن تحقيق الانتصارات، بل وتفقد أحيانا الأرض والجنود كما حدث لها مع المقاومة اللبنانية عام 2006 عندما توّبها رجال حزب الله عن الاقتراب من لبنان، وكما فعل رجال المقاومة الفلسطينية وقد يُتوّبونها عن الاقتراب مرة أخرى من غزة، وفي كل الأحوال لن تحلم إسرائيل بتلك الصور التي كانت تتغنى بها غولدا مائير وموشي ديان، وهما يقهقهان أمام مناظر جنود عبد الناصر والسادات والأسدو وهم يزحفون ويقبّلون الأقدام طلبا للعفو والرحمة، وفي كل الأحوال أيضا لن تتكرر معاهدة كامب ديفد أو غيرها من الاتفاقيات، لأن رجال المقاومة هم نصر الله وإسماعيل هنية وخالد مشعل وليس أصحاب الفخامة والجلالة والسمو، وجميعهم فقدوا أبناء وإخوة وأصدقاء في مقاومة حوّلت‭ ‬كيد‭ ‬العدو‭ ‬في‭ ‬تضليل،‭ ‬ورمته‭ ‬طيورهم‭ ‬بحجارة‭ ‬من‭ ‬سجيل‭ ‬فجعلته‭ ‬كعصف‭ ‬مأكول‭.‬

صحيح أن ما حققه رجال المقاومة سواء في لبنان أو الآن في فلسطين، ليس نصرا حقيقيا تُحسب فيه الغنائم المادية وعدد القتلى من الطرفين ودرجة الدمار هنا وهناك، ولكنه أيضا ليس نصرا للعدو الذي تعود على فرض شروطه وتحقيق كل أهدافه وقتل الآلاف وحرمان الجيوش العربية من الطيران أو مجرد التفكير في بلوغ تل أبيب، ليجد نفسه صاغرا راضخا لإرادة أبناء المقاومة الذين جنوا ما غرسه الشيخ ياسين، والرنتيسي، وغيرهما من الشهداء، وبعد أن كانت الأرض المحتلة هي أرض الميعاد التي تُشد إليها رحال يهود العالم، صارت الآن العصف المأكول الذي طالته صواريخ المقاومة من لبنان ومن فلسطين، فتجمدت الهجرة نحو الدولة العبرية وصار الخروج منها أمل يهودها، وتكاثر أعداؤها في كل مكان، وما بذلته إسرائيل على مدار سنوات في تفكيك الجسد الفلسطيني نسفته بمغامراتها بعد أن نقل المقاومون الخوف إلى موقعها واحتفلوا بما حققوه،‭ ‬واتضح‭ ‬فعلا‭ ‬أن‭ ‬أوهن‭ ‬البيوت‭ ‬هو‭ ‬بيت‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭.‬

مقالات ذات صلة