العفن
للأستاذ الكبير مالك ابن نبي (1905 – 1973) – رحمه الله – كتاب لم يطلع عليه كثير من الناس لأنه لم يسوّق بكثرة.
إن هذا الكتاب يحمل عنوانا غريبا ولافتا هو “العفن“، وهو أشبه بمذكرات.. وعفا الله – عزوجل– عن مالك ابن نبي عما جاء في بعض ذلك الكتاب من أخطاء، و“كل بني آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون“، كما علّمنا من بعثه اللّه معلما، ولا ينطق عن الهوى.
ما كان الأستاذ ابن نبي يتخيل أن ذلك العنوان “العفن” يحدث في دُنيا البشر، ولكن الله – سبحانه وتعالى – أحيانا حتى صرنا نرى ذلك العفن بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، وتزكم رائحته النتنة أنوفنا؛ بل لقد ارتد – بسببه – الأعمى بصيرا، والأصم سميعا والأخشم (❊) مُفتّح الخياشيم..
لقد قلبت صفحات تاريخنا، واستعرضت حوادثه التي تعاقبت على أسلافنا فما وجدت ولا علمت عهدا ينطبق عليه هذا العنوان كهذا العهد الذي قدر لنا الله – عز وجل– أن نكون شهودا عليه، حتى ما نُسائل عنه أحدا، بل نحن – الجزائريين – سنكون من رواته لأبنائنا الأقربين والأبعدين.
نعلم مما رأينا، ومما قرأنا، ومما روينا أنه لا يخلو بلد في العالم من “عفن“، يمكن أن نسميه “عفنا جزئيا“، يصيب قطاعا أو قطاعين في هذا البلد أو ذاك، فيهرع الله “النزهاء” من أبناء ذلك البلد، ويحاصرونه ثم يعالجونه بما يلزم من الأدوية النافعة، ولو بالقطع والبتر.. فيشفى البلد، ويتطهر من العفنين.
أما العفن الجزائري فيمكن أن نسميه من غير تجنّ ولا مبالغة “العفن الكلّي“، لأنه انتشر في الجزائر انتشار النار في الهشيم، و“صار يهدد الجزائر بالانهيار بعدما تفشى أمره عبر التراب الوطني“، كما شهد رئيس حزب، وهو “معارض لايْتْ” للسلطة. (الخبر 22 / 3 / 2015 ص2).
إن بلدنا يتدحرج إلى هاوية ليس لها من قرار، بسبب “سياسة” أضحكتنا وأبكتنا في الوقت نفسه، وإذا صاح الناصحون: “لاتفسدوا في الجزائر“، يقول من يروننا ولا نراهم: “إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون“، لأن الله عز وجل قد حال بينهم وبين قلوبهم، ولم تعد جلود وجوههم تصلح إلا لتجليد الكتب لأن الأرضة تنفر من نتانة تلك الجلود.
إن اقتصادنا المنهار سيعجز البروفسور الألماني “شاخت” الذي أحيا الاقتصاد الألماني – بعد الحرب العالمية الثانية – عن إيقاف تدهوره بسبب ما فعل فيه الذين نهى الله المؤمنين عن ايتائهم أموالهم..
أما أخلاقنا ففي أسفل السافلين وهي مما يخجل منه الشيطان الذي لا يأمر إلا بالفحشاء، وصرنا كما قال أستاذنا الأخضر السائحي: “لولا الصدر لآلتبس الأمر“، وصار “بعضنا” لا يحلو لهم الكلام إلا مع الكاسيات العاريات، اللواتي لا يشمرون لحد الركبتين فقط؛ كما قال شاعر؛ بل يتسمون إلى ما فوق الركبتين، ويطمع أن يزدن.
وكنت أود أن أتحدث عن “عفن” التربية، فسمعت “صوتا هاتفا” كما يقول عمر الخيام، يقول: لقد فُتح على “تربيتنا” بنظرية تسمى “النظرية – السّيدية“، وقد “علمنا” أن منظمة “اليونيسكو” قد استنفرت أجهزتها للاستفادة من هذه “النظرية” وتعميمها على العالم..
لقد قالت من أدخلتنا كتاب “غينيس“: إن 8 ملايين تلميذ و700 ألف مؤطر في منظومتنا التربوية “أصبحوا رهنية أقلية تتحكم في مصيرهم“، (الخبر 22 / 3 / 2015 ص5) ولكن “معاليها” لم تر أن الجزائر، بشرها، وشجرها، وحجرها، وبرّها وجوها، وظهرها وجوفها أصبحت رهينة أقلية تضيق وتعجز لغتي عن وصف…. و“اللهم لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه“.
❊) الأخشم: من لا يكاد يشمّ.