الرأي

العلامة أبو القاسم سعد الله كما عرفته

الشروق أونلاين
  • 2116
  • 0

عندما شرعت في كتابة هذه الكلمة، وجدت نفسي قد خانتني العبارات ولم أجد الكلمات المناسبة لأعبر بها عن هذا الرجل العظيم. لقد عرفته أول مرة عندما كنت طالبا في قسم التاريخ لتحضير شهادة الليسانس وكان ذلك عام 1974بجامعة الجزائر، إذ درسنا عدة مواد، منها الحياة الثقافية في العهد العثماني والجزائر ما بين الحربين.. وبعد الليسانس، درسنا كذلك خلال سنة كاملة لتحضير شهادة المنهجية التي تؤهلنا للتسجيل في الدراسات العليا، ثم أشرف علي في الماجيستير بعد أن ناقشت دبلوم الدراسات المعمقة وكان رئيس اللجنة المناقشة.

كان الدكتور سعد الله رحمه الله في غاية البساطة، فهو يقدم المحاضرات وكنا نشعر وكأننا في جلسة سمر بين الأصدقاء، لا نشعر بالوقت إلا وقد انتهت المحاضرة. وقد علمت أن الكثير من الأساتذة الجامعيين الذين درسهم – وأنا واحد منهم – تأثروا بطريقته في التدريس، لأنها طريقة تشد الطالب لتتبع المحاضرة دون أن يشعر بالملل والتعب.                كان رحمه الله يحث الطلبة على الإكثار من قراءة الكتب، إذ كان يذكر لنا دوما كتبا من تأليف كتاب عاشوا في العهد العثماني، مثل كتب ابن حمادوش وابن العنابي وأبي راس الناصري… إلخ. إذ كان في هذه الفترة متقدما في جمع مادة “الحياة الثقافية” الذي نشر جزأه الأول والثاني عام 1981، كما نشر عام 1975 كتاب “الحركة الوطنية” الجزء الثالث، ووجدنا فيه جل المحاضرات التي كان قد مها لنا عن فترة ما بين الحربين، وعرفت فيما بعد أن كل الأعمال التي حاضر فيها – تقريبا – نشرت على شكل كتب.          عندما كان مشرفا علينا (مع طلبة آخرين) قال لنا – رحمه الله – عدة مرات بأنه لايقبل أن يشرف على طلبة يعملون من أجل الشهادة فقط، بل لا بد أن يكونوا باحثين، وكان يشجع طلبته بل ويحثهم على كتابة المقالات وتولى تصحيحها بنفسه، لتنشر إن وجدت وسيلة للنشر، وإلا كان يقول: المهم أن تكتبوا وقد يكون النشر في وقت لاحق. وكان لنا ذلك بعد أن أصدر قسم التاريخ “مجلة الدراسات التاريخية”، إذ احتوت أعدادها الأولى على مقالات كثيرة لطلبة الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمه الله.

إن أكثر الأشياء التي تعلمناها عن الفقيد رحمه الله هي الدقة في الشرح والوصف والابتعاد عن الغموض والإبهام، وكان يلح على شرح كل كلمة غامضة وكل الأعلام الواردة في النص إن كان ذلك سيزيد الموضوع وضوحا ولا بد من الإهتمام أكثر بالهوامش لأنها تخدم النص. وكان – رحمه الله – لا يقبل بأعمال خالية من الفهارس، فهي ضرورية في البحث خصوصا إن تعلق الأمر بالكتب، فالفهارس حتمية لا يمكن الاستغناء عنها، ولا يقبل من دور النشر أن تتصرف فيها أو تهملها مهما تكون الأسباب، فالأعمال الآكاديمية تتطلب ذلك كما يقول.                                      

   كان الدكتور سعد الله رحمه الله بسيطا في حياته، قنوعا، عفيفا، زاهدا في كل شيء إلا البحث العلمي والتدريس، وقد عرضت عليه مناصب عليا فرفضها. وكان متسامحا لأبعد الحدود حتى مع الذين أساؤوا إليه، وقد أخبرني ذات مرة في عام 1987 وبنبرة فيها الكثير من الحسرة والألم أن كتابه “أبحاث و آراء في تاريخ الجزائر” الجزء الثالث، الصادر عن المؤسسة الوطنية للكتاب عام 1986 قد تعرض للحجز والمنع من التداول بسبب عبارة صغيرة وردت في الصفحة 264، الهامش 17 مكرر، ويبدو أن إحدى “الشخصيات البارزة” في ذلك الوقت هي التي أمرت بمنع توزيع الكتاب وهذا رغم أن هذه العبارة التي كانت سببا في منع الكتاب تحسب لصالح الأستاذ سعد الله وليس ضده، لأنه صحح بها في الهامش معلومات خاطئة كان قد دونها صاحب المخطوط الذي هو موضوع الدراسة التي قدمها الدكتور سعد الله. ومع ذلك لم يشفع له تصحيح هذا الخطأ كما لم تشفع له مكانته العلمية والآكاديمية، ولم يسمح بتسويق الكتاب إلا بعد سنتين أي حوالي نهاية 1988. إلا أنه رحمه الله كان متسامحا وتقبل الأمر إلى أن صدر الأمر بتداوله من جديد، ورفض – رحمه الله – ذكر اسم الشخص (أو الشخصية البارزة) التي كانت وراء المنع. هذه هي أخلاقه.                            

رحم الله أستاذنا وشيخنا وأسكنه فسيح جنانه. إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

 

 (*) أستاذ بجامعة تيزي وزو                                                                                                                          

مقالات ذات صلة