الرأي

العنف‭ ‬فينا‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬فقط‭!‬

حفيظ دراجي
  • 8297
  • 19

توالت الأحداث عندنا في الملاعب وخارجها هذه الأسابيع، وتكررت نفس التصرفات وردود الفعل والتعاليق والتحاليل والدعوات إلى محاربة عنف الملاعب والمشاغبين بتسليط أقصى العقوبات على المتسببين فيه، أو كأننا مجتمع مثالي وملائكي يعاني فقط من عنف ظرفي في الملاعب وشغب ظرفي‭ ‬للمناصرين،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬غريبة‭ ‬على‭ ‬ملاعبنا‭ ‬ويومياتنا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبقى‭ ‬الكرة‭ ‬وسيلة‭ ‬الترفيه‭ ‬الوحيدة‭ ‬لدى‭ ‬شبابنا،‭ ‬وتبقى‭ ‬الملاعب‭ ‬متنفسهم‭ ‬الوحيد‭!! ‬

العنف عندنا ليس ظاهرة جديدة أو ظرفية، ولا يمكننا القضاء عليه بالكلام والتنديد والردع فقط، ذلك أننا نعيش عنفا متفشيا في أنفسنا وذاتنا، وعنفا داخل الأسرة مع أهلنا وأبنائنا وفي الشارع بين أطفالنا، وعنفا في المدرسة والجامعة وبين الساسة والمثقفين. وجيل التسعينيات‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬اليوم‭ ‬سن‭ ‬العشرين،‭ ‬عايش‭ ‬سنوات‭ ‬الدم‭ ‬والدمار‭ ‬والعنف‭ ‬والقتل‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكاله‭ ‬وأنواعه،‭ ‬ولم‭ ‬يترعرع‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬عادية‭! ‬‮ ‬

كما أن العنف عندنا ليس فقط عنف مناصرين ومشاغبين، بل هو أنواع وأشكال وأصناف، فهو إلى جانب التكسير والتدمير والاعتداء على الأشخاص والممتلكات والمرافق، عنف معنوي ولفظي ومادي، وعنف ماثل في ممارساتنا مع بعضنا من خلال الإقصاء والاحتقار واستغلال النفوذ لتحقيق المكاسب‭ ‬وتعميق‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬شرائح‭ ‬المجتمع،‭ ‬وغياب‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار‭ ‬والتسامح‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭.‬

مع ذاتنا نمارس العنف ضد أنفسنا دون وعي، وتغيب الابتسامة عن وجوهنا مع أبنائنا وإخواننا في المنزل والشارع، وفي تعاملاتنا مع بعضنا البعض، وداخل الأسرة الواحدة يمارس الآباء والأمهات عنفا في ما بينهم ومع أبنائهم، ويغيب التحاور والتشاور والتواصل، وبالتالي تتولد العقد‭ ‬ومركبات‭ ‬النقص‭ ‬ويحتاج‭ ‬الأبناء‭ ‬إلى‭ ‬التنفس‭. ‬وبما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬متنفس‭ ‬إلا‭ ‬الملعب‭ ‬والشارع،‭ ‬فإنهم‭ ‬يُخرٍجون‭ ‬فيهما‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬ترسُّبات‭ ‬عنيفة‭.‬

في الشارع تسود الفوضى والسرقة والاعتداءات، ويغيب الأمن في بعض الأماكن في المدن الكبرى خاصة، ويكفي الاطلاع على محاضر الشرطة وأحكام القضاء اليومية لمعرفة حجم الظاهرة التي تهز أركان المجتمع وتهدد مقوماته.. افعلوا ذلك رجاءً، وعندها ستتأكدون أن ضحايا عنف الملاعب‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والشارع‭!‬

في المدرسة والجامعة يعتدي التلاميذ على المدرسين والأساتذة والمديرين، ونسمع ونقرأ كل يوم عن الضرب المبرح للتلاميذ من قبل الأساتذة، وعن التعاملات العنيفة في الأوساط الطلابية، وغياب فضاءات الحوار والتواصل والتعبير، فينعكس ذلك على المستوى الفكري والأخلاقي والتعليمي‭ ‬والتربوي‭.‬

وفي الكثير من المؤسسات نمارس عنفا من نوع آخر يفضي إلى عداوة وعدوانية شرسة بين الناس من كثرة المشاكل والمتاعب، وتتعدد أوجه التعسف والظلم وغياب النقاش والحوار الاجتماعي بيننا، فيتولد الحقد والانتقام والتطرف، وينفجر الناس لأبسط الأسباب.

الساسة والمثقفون والمرشحون للتشريعيات مثلا يغذون العنف على طريقتهم عبر خطاباتهم العدوانية ضد بعضهم البعض في حملاتهم الانتخابية، ويستفزوننا ويزايدون علينا في الوطنية والوفاء والإخلاص، وحتى طريقة التعبير لديهم تشم فيها العداوة والحقد والعنف اللفظي والفكري والسياسي‭.‬

ومع كل هذا نتحدث كلنا -بعنف أيضا- وحزم وقساوة عن محاربة العنف! تفعل ذلك عوض العمل على تجنب مسبباته وتوفير الأجواء اللازمة لبناء مجتمع سوِي ومتوازن لا نشعر فيه بالظلم والإقصاء، ويحترم فيه الصغير الكبير، ونلتزم فيه بالأخلاق الحميدة داخل الأسرة الواحدة وفي الشارع‭ ‬والمؤسسة‭ ‬والجامعة‭.. ‬مجتمع‭ ‬يقوم‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬بواجبه‭ ‬من‭ ‬الأولياء‭ ‬إلى‭ ‬المربين‭ ‬والأئمة‭ ‬والساسة‭ ‬والمثقفين‭ ‬ورجال‭ ‬الأمن‭ ‬واللاعبين‭ ‬والمدربين‭ ‬والأساتذة‭ ‬وغيرهم‭.‬

ذلك هو المهم أيها السادة، أما عنف الملاعب فمهما بلغ حجمه وضحاياه فهو قليل من كثير يسود المجتمع، وهو متنفس وجزء بسيط من عنف يسود مختلف المواقع ونحتاج فيه إلى كل الأولياء ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني للتخفيف من وطأته واستعادة الأمن والأمان اللذين لا يمكن بلوغهما كلية في ظل الفوارق والاختلالات التي نعيشها يوميا على كل المستويات، فالكثير من أوجه العنف تولدت بسبب العنف!!.. فعنف الأفراد ليس في النهاية إلا مُحصلة عنيفة لعنف ظروفهم وواقعهم، وبغير تغيير هذا الواقع فإن كل إجراء ظرفي لمكافحة العنف -مهما كانت شدته- لن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬كمحاولة‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬السرطان‭ ‬بأقراص‭ ‬الصداع‭!‬

مقالات ذات صلة