الرأي

العودُ أحمد

أخيرا، تقرّر عودة التلاميذ إلى حجرات الدراسة، بعد عطلة طويلة الأمد، كان الهدف منها صحّتهم، وتفادي عدوى كورونا بمتحوراتها الجديدة، ولكن ما يجب التركيز عليه والاعتراف به، هو اتساع الهوّة بين طلبة العلم والعلم نفسه، بسبب هذه التقطعات إلى درجة أن الكثير من التلاميذ الذين أغرقتهم كورونا في أمواج الفضاء الأزرق، تبادلوا مساء الخميس بعد الإعلان عن عودتهم، ما يشبه “التعازي” بسبب انتهاء العطلة التي عطّلت تفكيرهم، وساوت أيام التدريس مع العطلة في السنتين الأخيرتين بطريقة هزت المنظومة التربوية بشكل مزلزل، يتطلب شحنا جديدا لطاقات الأساتذة والتلاميذ والأولياء.

ما يثير المخاوف والأسف، أن المطالب الملحّة التي كنا نشاهدها خلال الموجة الأولى، من التجار وسائقي سيارات الأجرة والحافلات وأصحاب قاعات الحفلات وغيرها من النشاطات للمطالبة بالعودة إلى العمل، لم نشهدها في قطاع التربية والتعليم، حتى أنك تخال بأن الجميع كان يريدها عطلة من دون توقُّف، وما حدث في بعض الجامعات الجزائرية عندما رفض بعض الطلبة العودة إلى الدراسة أمرٌ مؤسف، لأنه لا أحد يصدِّق أن الحجة كانت وقائية وصحية في أسرة جامعية لاحظنا بأن نسبة التلقيح فيها ضد فيروس كورونا، لم تزد عن اثنين بالمئة، في الكثير من الكليات والمعاهد، بالرغم من توفير اللقاح في قلب المراكز والإقامات الجامعية.

جميلٌ أن تكون سنة 2022 اقتصاديةً بامتياز، لأن الجزائر عاشت عشريتين من الفوضى أخرجتها من الخارطة الاقتصادية العالمية، ولولا ثروة النفط واحتياطي الصرف، لطرقنا باب المجاعة والضياع والإفلاس، وجميلٌ ما يحدث من اكتمال لمختلف المجالس الدستورية، وقطع الطريق على تجار المقاعد النيابية، فلولا صبر المواطنين وطيبتهم، لحدثت ثورة ربيع وشتاء وصيف، لكن الأجمل أن تباشر الحكومة مصالحة كبرى في مختلف القطاعات التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي، لأن ما أفسده دهرٌ من الضياع، وأكملت عليه سنتا جائحة كورونا، لن يصلحه سوى جيش من العطّارين.

لا يمكن تسيير ما تبقى من أشهر، من الموسم الدراسي الحالي، بنفس الطريقة التي تم فيها تسيير مباريات كرة القدم خلال الموسم الماضي، لأن الفرق بين العقل والقدم شاسعٌ جدا، ولا يمكن التركيز على حكاية العتبة والتقليص في المقرّر ورفض خطف بضعة أيام من الصيف أو من عطلة نهاية الأسبوع، لأنَّ بناء الإنسان المتعلم يحتاج إلى صرامة حقيقية، وعدم تضييع الوقت أو التحايل على العلم بتقسيمه وتحجيمه أو حصره بين العتبات.

التهليلُ لعودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة أمرٌ مطلوب، من أجل إدخالهم في جوّهم الطبيعي، مع تعليمهم طرق وقاية أنفسهم وتحصينها من الوباء ومن الكسل والجهل، لأن كل الثورات المأمول تحقيقها في الصناعة والزراعة والسياحة والسياسة والأخلاق والرياضة، لا يمكن تحقيقُها من دون منظومة تعليمة قوية، همّ التلميذ فيها والأستاذ والوليّ، هو التحصيل الدراسي وفقط.

مقالات ذات صلة