الجزائر
بعد رفع الأسعار.. أعوان سونلغاز ممنوعون من دخولها

الغاز والكهرباء “مجانا” في الأحياء الساخنة!

الشروق أونلاين
  • 44434
  • 0
الشروق

لا يتقبل الجزائريون فكرة أن تقطع عنهم مادتان حيويتان على غرار الكهرباء والغاز، وهو ما يحاولون الدفاع عنه بشتى الطرق غير الشرعية من خلال مواجهة أعوان شركة توزيع الكهرباء والغاز أثناء عملية القطع، حيث تتحول الأحياء أحيانا إلى ساحة حرب، تستعمل فيها السيوف والخناجر و”الحبة الزرقاء”، لترويع الأعوان وثنيهم عن المهمة التي أوكلت لهم، والتي عليهم تنفيذها مهما كانت الظروف. “الشروق” رافقت أعوان شركة توزيع الكهرباء والغاز خلال عملية قطع الكهرباء والغاز عن عدد من البيوت والمؤسسات بالعاصمة، وعادت بشهادات حية عن ما يواجهه هؤلاء أثناء القيام بهذه العملية.

تنقلنا إلى مديرية توزيع الكهرباء والغاز بمقاطعة الحراش التي تضم الوكالات التالية: الحراش، المحمدية، برج الكيفان، الرغاية، الرويبة، عين طاية، الكاليتوس، باب الزوار، الدار البيضاء، وهنالك استقبلتنا نوال عاتق المكلفة بالإعلام، التي تحدثت عن غياب ثقافة الاستهلاك لدى المجتمع الجزائري، وكذا نقص الوعي لدى المواطنين، الذين يعتبرون أن ما هو ملك للدولة يجوز لهم التصرف فيه كما يشاءون وأن من حقهم أن لا يدفعوا فلسا واحدا، وهو ما يشكل لديهم مشاكل جمة ويعيق تقدم الشركة وكذا تحسين وتطوير الخدمة، حيث أن ديون الشركة تتثاقل وهذا ليس في صالح الجزائريين جميعا.

سرقة الكهرباء أمر معتاد ولكن ماذا عن سرقة الغازǃ

تطرقت نوال عاتق للحيل التي يلجأ إليها الجزائريون في سبيل تخفيض الفاتورة على غرار قلب الأسلاك النحاسية، استعمال الراديو والإبر وهي حيل تقول أنهم اعتادوا عليها وأنهم يعرفون العائلات التي تقوم بذلك، ويحاولون استدعاءها مرارا للحديث إليها ومحاولة إقناعها أن هذا التصرف لا يجوز وأنه يكبد الشركة خسائر، كما انه يؤثر على تطوير الخدمة وهذا لا يخدمهم، مؤكدة أنهم يحفظون الوقت الذي يمر فيه الأعوان فيعيدون العداد إلى طبيعته،  إلا أنها صدمتنا حينما كشفت عن سرقة بعض المواطنين للغاز، حيث قالت إن إحدى المواطنات أبلغت مؤخرا عن جارة لها في عمارة أخذت أنبوبا وربطته بالشبكة الموجودة في العمارة وهو أنبوب بلاستيكي يستعمل في المطابخ، قائلة أن الأمر يشكل خطرا حقيقيا على حياة المواطنين، مؤكدة أن الكثير من المستهلكين يقومون بتصرفات طائشة في سبيل الاستفادة من فاتورة مخفضة، إلا أنهم لا يعلمون أنهم يهددون سلامتهم وسلامة الآخرين.

نسبة كبيرة من المواطنين وعدد من المؤسسات لا يدفعون إلا بعد القطع

أكدت محدثتنا أن فئة كبيرة جدا إن لم نقل السواد الأعظم من المواطنين لا يدفعون فواتيرهم إلا بعد عملية قطع تزويدهم بالكهرباء والغاز، حيث قالت إنه بالرغم من أنهم يحددون في الفاتورة المدة التي يجب عليهم أن يدفعوا فيها والمقدرة بـ15 يوما، إلا أنهم يتماطلون في الدفع وهي  نفس الحال بالنسبة للإدارات، المؤسسات العمومية والمصانع، موضحة أن قيمة إعادة تزويدهم بهاتين المادتين بعد قطعهما قد ارتفعت إلى 950دج للعملية الواحدة بدل 300 دج، إلا أنهم يستثنون بعض الحالات من عملية القطع على رأسها المستشفيات والمؤسسات العمومية، حيث يحاولون إيجاد الحلول المناسبة مثل تقسيط مبلغ الفاتورة، وعملية التفاوض، لأنها مؤسسات مهمة ولها دور كبير في المجتمع، مؤكدة أنهم قطعوا الكهرباء على عدد من المؤسسات على غرار مقر بلدية عين طاية الذي ظل مدة 6 أشهر دون كهرباء لحد الساعة.

600 مليون دج ديون شركة توزيع الكهرباء والغاز لدى الزبائن

أعلنت عاتق أن ديون الزبائن على مستوى مديرية الحراش بلغت 600 مليون دج لدى الزبائن العاديين، 200 مليون دج لدى زبائن الضغط العالي الخواص، أما الباقي الذي يمثل نسبة 76 بالمائة من مجمل الديون أي ما يعادل مليار و300 مليون دج فهو لدى القطاع العام على حد قولها، مشيرة إلى أنهم شرعوا منذ شهر في حملة واسعة لتحصيل هذه الديون، من خلال قطع تزويدهم بهاتين المادتين الأساسيتين، وذلك لإرغامهم على تسديد الديون وتحصيل مستحقاتها التي تتزايد عاما بعد آخر، حيث مست الحملة الزبائن الخواص سواء عاديين أو صناعيين، بما فيها الإدارات، البلديات وغيرها.

أحياء “choc” وزبائن أضحوا معروفين لدى الأعوان

رافقنا أعوان شركة توزيع الكهرباء والغاز المكلفين بالقطع في حي الدهاليز بالحراش، وفي طريقنا حدثنا  العون “ن.ل.س” عن ظروف عملهم، قائلا بحكم عملنا مع الناس أصبحنا نعرف بعض الزبائن ونعلم مسبقا من سيدفع الفاتورة حقا ومن سنقطع له دون أن يدفع، فهنالك زبائن أضحوا معروفين وأسماؤهم على رأس القائمة عند كل عملية قطع.

وتحدث العون عن الأحياء التي يصعب الاقتراب منها والتي تعرف بأحياء “choc”، التي أصبح الأعوان يتجنبونها، بما أنه تكثر فيها الاعتداءات من طرف المنحرفين، حيث تتخذ معهم إجراءات أخرى تصل إلى أروقة العدالة، منها الأحياء القصديرية التي أصبح الأعوان لا ينتقلون إليها بعد أن تعرض الكثيرون منهم لاعتداءات جسدية على أيدي سكانها.

120 عملية قطع للكهرباء والغاز يوميا

قال الأعوان إنهم يقطعون الكهرباء والغاز عن 120 بيت يوميا، حيث ينقسمون على أربع مجموعات، كل مجموعة مكلفة بثلاثين بيتا، أي ثلاثين عملية قطع، مؤكدا أن الكثير من الزبائن لا يدفعون إلا بعد القطع، في حين يترجاهم آخرون لعدم القطع وأنهم سيذهبون حالا للوكالة للدفع، إلا أنهم يحاولون إفهامهم أن لهم أوامر بالقطع ويجب عليهم القيام به وأنهم سيعيدون الكهرباء لهم مباشرة بعد دفع الفاتورة، قائلا أنه في حال لم يدفع الزبون الفاتورة بعد قطعها في غضون 48 ساعة يقومون بنزع العداد نهائيا، وهو ما يدفعهم إلى إعادة طلب تزويدهم بالعداد ومصاريف أخرى، إلا أن الزبائن يتجنبون الوصول إلى هذه المرحلة غالبا.

سيوف وخناجر والحبة الزرقاء لترويع الأعوان

كشف لنا الأعوان أن مهمتهم خطيرة جدا وأن بعض الناس يعتقدون أنها تتم في ظروف عادية، إلا أنهم يلقون الويلات أثناء عملية القطع، حيث قال إنهم يصادفون حالات غريبة، إذ يخرج لهم البعض بالسيوف ويطاردونهم جماعات، في حين يتناول آخرون الحبوب المهلوسة والكحول ويقدمون على سب وشتم الأعوان، وكذا محاولة الاعتداء عليهم،  ناهيك عن تحريض الكلاب عليهم، بينما يحاول آخرون اللعب على الوتر الحساس من خلال الاستعانة بأمهاتهم الكبيرات في السن من أجل الدعاء للأعوان وإثارة شفقتهم حتى لا يقطعوا عنهم الكهرباء والغاز، إلا أنهم يتحدثون إليها بهدوء ويوضحون أنهم مجرد موظفين ملزمين بمهمة عليهم تنفيذها.

إسقاط عون من السلم والركض وراء آخر برفش

قال العون الثاني “ح.ب” إنهم يضطرون في كثير من الأحيان لقطع الكهرباء من العمود الكهربائي، بما أن الكثير من العدادات تكون داخل البيت، ومن ثم يجبرون على قطع الخيط المزود للبيت بالكهرباء من العمود الكهربائي، حيث يستعملون السلم، وفي أحد المرات تعرض زميلهم للسقوط، بعد أن قام الزبون رفقة جماعة بإبعاد السلم وهو واقف عليه ليسقط أرضا ويصاب بكدمات، وفي حالة أخرى ركضوا وراء آخر برفش “بالة” محاولين الاعتداء عليه به.

أغنياء لا يدفعون والمبرر “دراهم الدولة”

وصلنا رفقة الأعوان إلى حي الدهاليز وكانوا ينزلون أمام كل باب يوجد أسماء أصحابه على القائمة، إلا أننا لاحظنا معاناتهم مع البحث عن عناوين هؤلاء الأشخاص، وهي المعاناة التي قالوا إنها تتضاعف في فصل الشتاء وسط الأوحال والأمطار الغزيرة، والأمر الذي أثار استغرابنا هو أن أكثر البيوت التي لم تدفع الفاتورة لأغنياء، حيث كانت عبارة عن فيلات تتكون من أربعة طوابق فأكثر، انتظر الأعوان عند الباب بعد أن دقوا عليه لتخبرهم السيدة التي أطلت من النافذة أن ابنتها ذهبت لتدفع الفاتورة وأنها في الطريق قادمة من الوكالة، فقال لها نحن بحاجة لنرى الدليل، وفضلوا اغتنام الفرصة للذهاب إلى بيوت أخرى في انتظار وصولها، وعند وصولهم إلى بيت آخر اجتمع مجموعة من الجيران يستفسرون عن الأمر، فيما دخل العون ليقطع الكهرباء من العداد استقبلته امرأة أطلقت تنهيدة قائلة “ليتني أكملت اليوم عند أمي.. هل سأبيت في الظلام اليوم؟”، ليجيبها العون أنه كان عليهم التصرف وفق القانون لكي لا يحدث هذا.

حاول الكثير من المواطنين إيصال انشغالهم للأعوان بأن فاتورة الكهرباء هذه المرة مرتفعة بقوله “راهي تجي بزاف غالية”، وهنا أوضح لهم العون أنه مجرد موظف وأن عليهم الاستهلاك بعقلانية، فيما راح آخر يحرض على الثورة قائلا “لازم الشعب يثور نخلص زوج ملايين وندفع فاتورة التريسيتي والغاز بـ4000دج”، وكانت العبارة الشهيرة لمعظمهم لتبرير عدم الدفع “دراهم الدولة”.

مقالات ذات صلة