الرأي

الغراب الأبيض..!!

مروان ناصح
  • 2168
  • 0

بعد رحيل الناقد السينمائي، وكاتب السيناريو السوري الكبير، الذي أمضى نصف عمره الثاني في القاهرة، وبعد أن كتبت عنه بعض ذكرياتي في الأسبوع الماضي، أرسل إليَّ أحد الأصدقاء مقطع فيديو “صوت وصورة”، يتحدث فيه هذا الناقد والسيناريست عن الكثير من أعماله المشتركة مع المخرجة المصرية ذائعة الصيت “إيناس الدغيدي”..

وكان ناقدنا “د. رفيق الصبَّان” – في هذا الفيديو الاحتفالي – يكاد يطير من الفرح فوق أعوامه الثمانين، وهو يزف إلى الناس خبر إنجازه كتابة فيلمه الجديد الأخير: “الصمت” الذي ستخرجه “الدغيدي” أيضاً، ولكنّ صوته انخفض فجأة – كما لو كان قد سقط في مطب هوائي – وهو يعلن بكلمات عامة حاول أن يمررها خطفاً – أنّ موضوع هذا الفيلم هو “زنا المحارم”.. وكانت الملاحظة الأخيرة هذه هي مفتاح حوار بدأه هذا الصديق.. وأردف يقول:

 – ما أحببت لصديقك رفيق الصبّان أن يضع نفسه في غير موضعها.. أن يتجاهل كل مظاهر الشيخوخة التي ترشحه للآخرة بكل جدارة..!! ليفاخر بهذا “الإنجاز” المثير للحرج والتناقض مع كينونته الآفلة..!! فماله وللفخر بهذا الموضوع الشائك..؟!! وأجزم بأن انخفاض صوته الذي أشرت إليه.. ليس سوى “غصة” ضمير مفاجئة..!! لهذه “الفضيحة” الفنية التي ختم بها حياته الإبداعية الثّرة..!!

– ها أنت تعيدنا إلى جمرة الصراع القديمة بين الفن والأخلاق..!! وتستغل موقف الراحل رفيق الصبّان، لتنفخ عليها، عساها تشتعل من جديد..!! ولكن هيهات!! ثم ما وجه الغرابة في أن يبدع الفنان والكاتب حتى آخر لحظة من العمر؟!! وما أكثر الأمثلة – لمن يطلبها – عن كتاب وفنانين كتبوا وأبدعوا أجمل أعمالهم، وهم على فراش الرحلة الأخيرة..!!

ولكني أحدثك عن الذوق العربي، أو الشرقي الذي لا يستطيع أن يغض الطرف عن مثل هذه المتناقضات في حياة الناس!!

– في حياة الناس نعم.. لكنْ.. ليس في حياة المبدعين الذين تقوم حياتهم الإبداعية على مقاومة الزمن..!! والتمسك بأذيال الحياة، وهي تقودهم من مجهول إلى آخر، بحثاً عن المعرفة الأصيلة، واستجابة لنداء الاكتشاف، والتجربة حتى آخر رمق..!! وفي حالة صديقنا الراحل رفيق الصبّان – عاشق الحياة، فإنني أستطيع أن اتخيله، وهو يتقدم بتحية عسكرية من الجنرال “ماك آرثر”.. ليس لأن ذلك الجنرال الأمريكي قد هزم اليابان في المحيط الهادي سنة 1945..!! بل لأنه كان يعلق في حجرة مكتبه لوحة كتب عليها: “ليس الشباب فترة من فترات الحياة.. بل هو حالة من

حالات الذهن والنفس..!! فأنت شاب ما دمت مؤمناً بنفسك وموهبتك، كبير الرجاء في المستقبل.. فإذا فقدت الإيمان، والثقة في النفس، والأمل في المستقبل.. فلست من الشباب في شيء..!!”

– طيب.. وهل رأيته في غمرة افتخاره بسيناريو فيلمه الأخير هذا.. وهو يحاول أن يوحي للناس بأنه أول من اخترع الدولاب “العجلة”..؟!! أي أول من تناول موضوع “العلاقات المحرمة” أو “العلاقات الخطرة” في الدراما العالمية..؟!!

– في الدرامات العالمية..؟!! لا أحسبه مأخوذاً بعزة كسر “التابو” إلى هذه الدرجة.. وقد يخطر على باله أنه أول من فعل ذلك في الدراما العربية: (سينما وتلفزيون)، مع أنّ هذا ليس صحيحاً.. وبالنسبة لمراقب عتيق مثلي لمسيرة هذه الدراما.. منذ أن كان مجرد ورود كلمة “خيانة زوجية” على لسان أحد الممثلين، يعدُّ في الجرائم الكبرى التي تستدعي شطب العمل الدرامي جملة وتفصيلاً!! وكان لقاء أمٍ بابنها العائد من سفر طويل – داخل أحداث العمل الدرامي – يجب ألا يتعدى لقاء غرباء في شارع عام..!! لا أحضان ولا قبلات..!! فالمشهد كلّه ينبغي أن يتم تحت ظلال اللافتة الشهيرة: “ممنوع الاقتراب والتصوير”..!! رضوخاً لأحكام رقابية متشددة وصارمة..!! حتى يومنا هذا.. الذي لم يعد فيه أيّ شيء ممنوعاً على شاشات التلفزيون تقريباً..!! فقد “تجرأت” الدراما التلفزيونية السورية لأول مرة، على أن تقدم حكاية “عشق ممنوع” بين الزوج وابنة زوجته..!! في مسلسل من ثلاثين حلقة هو “الحب الحرام”.. وذلك في الموسم الدرامي لعام 2010.. وتابعت الدراما السورية في موسمها الحالي تصعيدها لهذه “الجرأة”، فقدمت مسلسلاً لافتاً بكل المقاييس الموضوعية والفنية، وعنوان هذا المسلسل هو “صرخة روح” ويتضمن ست حكايات اجتماعية خارقة للمألوف الدرامي – الاجتماعي، حيث تتناول كل حكاية منها في خمس حلقات، إحدى العلاقات “العاطفية” المحرمة، بتفاصيلها، حتى المملة منها أحياناً، وقد ألف هذه الحكايات “الجريئة” عدد من الكتاب الشباب، وأخرجها “ناجي طعمة”.. ومن التحدي المباشر أنّ صانعي هذا المسلسل وضعوا له عنواناً ثانياً تفسيرياً تحت العنوان الرئيس هو: “خماسيات الخيانة”..

نعم.. لقد شاهدت هذه الخماسيات “الخيانية”.. حيث يتبادل الأصدقاء الخيانة الزوجية.. ويعشق الأخ امرأة أخيه.. إلى آخر هذه المحرمات “الفاقعة”..!!

الحق أنه مسلسل مميز، ومشغول عليه.. وفيه من مقومات الفن الأصيل شيء كثير ومؤداه “الإنساني” لا ينكر.. (سيعرض على قناة الشروق TV)

أكاد أشك في زماننا هذا..!! فكل ما أراه فيه.. ينتمي إلى المستحيلات..!!

معك حق.. فقد كان العرب القدماء، يرون أن “الغراب الأبيض” شيء مستحيل..!! حتى قال شاعرهم:

إذا شاب الغرابُ أتيتُ أهلي    وصار القارُ كاللبنِ الحليـبِ

وصار البَرُّ مرتعَ كلِ حوتٍ     وصار البحرُ مرتعَ كلِّ ذيبِ

 

وقد كان اعتقادهم هذا صحيحاً.. حتى ظهر الغراب الأبيض في “استراليا”..!!

مقالات ذات صلة