الغرب وتناقضات المتناقضات
لم يكن الغرب أكثر تناقضا في مواقفه كما هو الحال اليوم، لاسيما منذ بداية العدوان على غزة. الغرب كان دائما منسجما ظاهريا فيما يتعلق بالمبادئ العامة لمفهوم الديمقراطية الغربية والليبرالية وكل ما يلحق بها من حريات وحقوق الإنسان وقوانين وأعراف مرتبطة بذلك. كان ذلك ظاهريا، لطالما أخفى حقيقة باطنية لا يمكن أن تختفي لدى الإنسان، المتمثلة في الإنّية..
كما كان الراحل مولود قاسم يسميها، والتي أوضحها المستشرقون والمستعربون فيما قبل، متمثلة في “المركزية الأوروبية” التي كان الغرب ينطلق منها في شكل ذاتية نرجسية، تلغي كل الصفات والحقوق والميزات الفولتيرية، التي لطالما تشدق بها الغرب عامة ومنذ عصر الأنوار، لتصبح شبه دين وضعي، أركانه: العلمانية، الفردنة والعقلانية. لكن هذا الأمر كله، رغم أنهم أبْدوه كما لو أنه أمر إنساني عام وعالمي والحرية. دين وضعي، ينطبق على الجميع وعلى كل الأجناس والثقافات، وهذا من خلال ما ورّثوه للعالم عبر المدرسة والتأليف، التعليم والتدريس والإعلام والاتصال والسياسة والديبلوماسية. غير أن الواقع ظل يقول شيئا آخر تماما. كان ذلك يقال أحيانا أو حتى دائما، لكن خلف الأبواب المغلقة، ولم يكن يخرج للعلن، على الأقل على ألْسنة الساسة، إلا في حالات نادرة، كثيرا ما كانت ترجم قائلها وتصفه بأقسى النعوت، وقد تطيح بها سياسيا وأخلاقيا، ومنها “العنصرية” التي “حرمها الغرب” نظريا وإعلاميا، حتى أنه استبدل بعض المفاهيم والمصطلحات بأخرى أقل وقعا، مثل “الملونين” عوض السود، التي تحيلنا على زمن العبودية الغربية، أو التجريح الديني وسب المعتقدات وغيرها من الحالات التي لطالما أظهر الغرب نفسه مدافعا عنها.
غير أن كل هذا “النفاق” الداخلي، لم يكن إلا وليد تناقض المتناقضات في البنية الذهنية الغربية، المبنية أصلا على النرجسية والذاتية المفرطة، التعالي وعقد المركز والمحيط. هذا ما بات واضحا منذ نحو ثلاثة عقود، منذ سقوط جدار برلين تحديدا، حيث بدا للغرب، الذي انتقلت قوته المهيمنة من القارة العجوز إلى القارة المستكشفة، التي جمعت كل هواة المغامرات الاستكشافية الباحثة عن الذهب والأراضي الخصبة ولو تطلب الأمر إفناء أهلها “المتوحشين” وإبادتهم إذا لم تفلح “إذابتهم” وإخضاعهم لمنطق “القابلية للاستعمار”.
منذ نحو 30 سنة، بات العالم، الذي كان يتعايش ضمن الحرب الباردة و”الخوف والمحترم”، أكثر عدوانية، بعد أن خيل للغرب أنه قد انفرد بالعالم كله وأنه قد أخضعه كليا لمنطق ثقافته وعقيدته الليبرالية وهيمنته الأيديولوجية والفكرية والمادية، عبر الرأسمال العلمي والليبرالية الجديدة المالكة للعالم الجديد. من ذلك الحين، صرنا نسمع عن تدنيس الغرب للمقدسات الدينية والإساءة للأنبياء، لاسيما النبي محمد (ص)، عبر مختلف الرسائل الكاريكاتورية والنصوص الأدبية والروائية والمنصات الإعلامية، معتمدين على بروز التطرف الديني الإسلامي كعنوان للتهجم على الدين، من دون أن يربطوا التطرف بالاستعمار أصلا، والأنظمة التي صنعها الغرب الاستعماري وتركها تحكم شعوبا وبلدانا باسمه وتحت هيمنته الاقتصادية والسياسية.
واليوم، ومع إبادة غزة، يبدو الأمر وكأن الغرب المتناقض بنيويا وفكريا، إنما يحاول أن يرمم هذا الشرخ الذي أحدثه العدوان الوحشي المنافي والفاضح لكل الأعراف والأخلاق التي يتبجح بها الغرب والذي هو جزء منه، بل وصنيعته.
الاعتراف المتأخر المتذبذب، بدولة فلسطينية قائمة على الورق منذ تقسيم 1948، المتآكلة الأطراف منذئذ، وحتى من يربطون ذلك بشروط القضاء على المقاومة، يتناقضون داخليا، لأن الاعتراف بدولة تحت الاحتلال، يعني آليا وتلقائيا الاعتراف بحق المقاومة بكل أشكالها، حتى المسلحة، من أجل تحرير البلد، وهو قانون شرعي معترف به أمميا.