العالم
الرسومات المسيئة استنساخ غبي لنماذج الكراهية

الغرب يحتفي بـ”قلة أدب” شارلي.. ويتجاهل “أدب” خضرا!!

الشروق أونلاين
  • 3603
  • 8
ح.م

حقق الكاتب الجزائري المدعو ياسمينة خضرا نجاحا أدبيا باهرا في الغرب وفي فرنسا تحديدا، فقد ترجمت أعماله إلى 43 لغة عالمية، خاصة ثلاثيته الشهيرة – سنوات كابول – أجراس بغداد – الاعتداء، كما طرقت بعض أعماله شاشات السينما الفرنسية والأمريكية، ليس بسبب جماليته الكتابية فحسب، بل لأسباب قيمية عميقة، فهو ينقل للقارئ الغربي البنية العقائدية والذهنية والفكرية والثقافية العميقة للإنسان العربي والمسلم، كما ينقل للإنسان العربي والمسلم التصورات الفلسفية والفكرية العميقة للإنسان الغربي، في شخصيات حية ومشاهد تعكس الصدام والوفاق والقبول والنفور، بحثا عن فكرة التعايش التي غالبا ما تذهب ضحية سوء الفهم وتؤرخ لميلاد الكراهية المؤسسة للعنف والعنف المتبادل.

في الغرب كما في فرنسا، حمل الكاتب الجزائري بحكم معايشته للإرهاب كعقيد سابق في الجيش تصورات جديدة فككت البنية الذهنية للإرهابي الذي لا يولد ارهابيا، بل يصبح كذلك جراء تراكمات ثقافية واجتماعية ونفسية، مشخصا للعالم الغربي الذي لا يعرف العقلية الشرقية الدوافع العميقة للإرهاب، وسبب له ذلك متاعب جمة جراء الخلط بين التفسير والتبرير، لكنه تمكن من النفاذ إلى عمق العقل الغربي بما قدمه من شخصيات روائية في ثلاثيته الشهيرة. 

وبشيء من العبقرية في روايتهأجراس بغدادتجلت شخصية الشاب البدوي العراقي ابن كفر كرم تلك القرية العائشة خارج العصر بعيدا في صحراء العراق وما تطبع عليه من قيم أخلاقية مثل الشرف والنخوة والشهامة، وفي منحى تطوري بفعل غزو العراق وأحداث الفلوجة ومقتل المعتوه سليمان في حاجز أمريكي بعد ما أطلق عليه جندي متوتر النار بلا تثبت، تتولد لديه ولدى شباب القرية أحاسيس الذل والمهانة والانتقام ويتم تنفيذ هجوم على موقع عسكري يرد عليه الجيش الأمريكي بحملات مداهمة واستنطاق طالت منزله حتى جاءت الليلة التي انتزعت فيه فرقة أمريكية أفراد عائلته من النوم فيتعرض ذهنه لصدمة عنيفة حينما رأى والده المريض والمقعد يجرجر ويقذف أرضا بلباس النوم الخفيف حتى بدت عورته أمامه في مشهد قاس ومؤلم بما يشكله من اغتصاب للشرف وإهانة لكرامة البدوي وتكسير للمحرمات العائلية والثقافية والدينية فيقرر منذ تلك اللحظة أن ينخرط في صفوف المقاومةعندما يهان شرف العربي البدوي فليس هناك سوى الدماء لمحو آثاره“.  

كانت صورة عورة الوالد والخصيتين المكشوفتين أمامه نقطة التحول الكبير في مسار حياته فيتدرج في صفوف المقاومة حتى يصير قنبلة بشرية بعد ما تطوع كي يحول في مخبر الدكتور جلال ببيروت لجسم حامل لفيروسات خطيرة تنتقل بمجرد التنفس وهو يتجول فقط في شوارع باريس أو لندن فيقتل ملايين البشر، لكنه وفي لحظة فارقة يتخلى عن تنفيذ المهمة ويمتنع عن السفر بسبب رفضه تطهير الشرف بدماء الأبرياء.  

حاول خضرا أن يقدم طبيعة تفكير العربي الذي يتحول إلى مقاوم أو إرهابي حينما تداس انسانيته من طرف أشخاص لا يعرفون طبيعة قيمه العميقة، في محاولة ليفسر للغربالمتعاليأن احترام اختلاف القيم مقدمة لتجاوز المآسي وقد أفلح قليلا عندما احتفي به على مدار سنوات طويلة ككاتب يخاطب الغرب بأفكار بسيطة تساهم في إرساء التفاهم الثقافي وتهاطلت عليه الجوائز والتقديرات حتى ظن العالم أن هذه الروايات شكلت فتحا جديدا في الذهنية الغربية التي تمارس الأحكام القيمية من داخل ثقافتها دونما اعتبار لثقافات الآخرين، فهي تسخر مننكاح الجهادوتقنننكاح الذكران.

من جهة أخرى، وفي مشهد يعكس ازدواجية القيم والمعايير أو المحاكمة بمعيار واحد، على نحو تبدو معه مسألة حرية التعبير في قضية شارلي إيبدو تكريس لتلك العقلية الاقصائية لثقافة ومشاعر الآخرين من خلال الإصرار على نشر رسومات مسيئة وبذيئة يظهر بعضهاعورة النبيبلا حساب ردة فعل أكثر من مليار مسلم بمعتدليهم ومتطرفيهم مثلما جسد خضرا ردة فعل ابن الصحراء من رؤية عورة والده ففكر في إبادة ملايين البشر تطهيرا لشرفه من تلك الإهانة. اليوم تتجدد الإساءة والإهانة مع سبق الإصرار والترصد ليس عبر ثلاثة ملايين نسخة من شارلي إيبدو، بل من طرف ذهنية ألقت في البحر بثلاثين سنة وأكثر من مساعي حوار الحضارات والأديان والندوات وفتحت الباب على مصراعيه لميلاد جيل جديد من الكراهية النوعية وحروب العقائد والحضارات، وقد كانت هناك فرصة في أدب خضرا الجاد ضيعها الغرب بإتباع قلة أدب شارلي الساخر!

مقالات ذات صلة