الرأي

الغزو الديني‮!‬

حمزة يدوغي
  • 2038
  • 0

كان المرحوم الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم معجبا أشد الإعجاب بهذا البيت من الشعر‮:‬

نعيب زماننا والعيب فينا‮      ‬وما لزماننا عيب سوانا

فكان‮ ‬يستحضره دائما ويجيب به كل من‮ “‬حمّل‮” ‬زماننا ما نعانيه من تشتت وتخلف وضعف وهوان،‮ ‬ووجد متنفّسا في‮ ‬بيت أبي‮ ‬العلاء المعري‮ ‬الشهير‮:‬

كم أردنا ذاك الزمان بمدح‮    ‬فشغلنا بذم هذا الزمان

حضرني‮ ‬هذان البيتان،‮ ‬أو على الأصح هذان الموقفان المتباينان،‮ ‬وأنا أفكر في‮ ‬واقعنا الديني‮ ‬المضطرب وما آلت إليه مرجعيتنا الدينية من اهتزاز،‮ ‬فاستهواني‮ ‬بيت المعري‮ “‬وهربت‮” ‬ككل الحالمين إلى ماضي‮ ‬الجزائر الذي‮ ‬نعمت فيه بوحدة دينية مقدسة جامعة طوال قرون من الزمن فلم تضعف ولم تتصدع حتى في‮ ‬أحلك فترات تاريخها؛ كل ذلك بفضل علمائها وأئمتها الذين حافظوا على مرجعيتها الدينية ورسّخوها على مر العصور والأجيال‮. ‬أولئك العلماء الذين تجاوز صيتهم حدودها فكانوا محل تقدير العلماء المسلمين في‮ ‬المشرق والمغرب على حد سواء،‮ ‬فقد كانوا حجة في‮ ‬الفقه وكانوا على دراية واسعة بالمذاهب الأخرى‮. ‬وكان في‮ ‬وسعهم دائما أن‮ ‬يأخذوا من هذا المذهب أو ذاك من مذاهب أهل السنة عملا بالاجتهاد الترجيحي‮ ‬الانتقائي‮ ‬متى توافرت شروطه وقويت دواعيه‮.‬

الجزائر لم تعرف الجمود والانغلاق والتعصب المذهبي‮ ‬الضيق،‮ ‬فقد ظل المذهب المالكي‮- ‬ولا‮ ‬يزال‮- ‬يتعايش تعايشا كاملا مع المذهب الإباضي‮ ‬والمذهب الحنفي‮ ‬من دون أي‮ ‬ضيق أو خرج‮.‬

لكن الخوف من امتداد هذا الصراع أصبح له اليوم ما‮ ‬يسوغه بعد أن برزت وانتشرت ظواهر‮ ‬غريبة لم‮ ‬يألفها المجتمع الجزائري‮ ‬من قبل في‮ ‬ممارسة عباداته‮. ‬ظواهر بدأت تترسخ بفعل التكرار وبفعل الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬يغري‮ ‬الجاهلين والمغرضين على حد سواء‮.‬

نضيف إلى ذلك عاملا آخر مهما هو أن الجزائري‮ ‬سريع الاستجابة بطبعه لمن‮ ‬يخاطبه باسم دينه وكثير التقدير لمن‮ ‬يعتقد أنهم علماء،‮ ‬ولكن ليس كل الجزائريين قادرين على التمييز بين ما هو من الدين بحسنه وبرهانه وما ليس منه بقبحه وبطلانه‮.‬

إن هذه الصفة التي‮ ‬يتميز بها الجزائريون كثيرا ما شجعت‮ “‬المتفيقهين والمتطفلين‮” ‬على الإفتاء‮- ‬كما نعلم جميعا‮- ‬وعلى اعتلاء منابر الوعظ والإرشاد من دون زاد علمي‮ ‬ولا ورع ديني‮ ‬ويقتحمون ميادين متينة ويوغلون فيها بشدة من دون خشية ولا تهيّب‮.‬

ومن هذه الظواهر الخطيرة التي‮ ‬عادت إلى البروز في‮ ‬السنوات الأخيرة اتهام الناس جهرا في‮ ‬عقيدتهم لمجرد اختلافهم معهم في‮ ‬مسائل فقهية فرعية خلافية لا علاقة لها بالعقيدة،‮ ‬وتكفيرهم لهم بسهولة عجيبة،‮ ‬لا‮ ‬يدفعهم إلى ذلك سوى حب الظهور والتفرد،‮ ‬وهم ممن عناهم الإمام الشافعي‮ ‬رضي‮ ‬الله عنه بقوله‮:‬

إذا كان‮ ‬يهوى أن‮ ‬يُرى متصدرا‮   ‬وكره‮ “‬لا أدري‮”‬‭ ‬أصيبت مقاتله وعندما تسنح الفرصة‮ “‬للحديث‮” ‬مع واحد من هؤلاء فإن الإنسان‮ ‬يعجب لما‮ ‬يلمسه من قلة الزاد وضيق الأفق وقصر النظر وجرأة على الله لا تعرف حدا‮.‬

تقول له‮: ‬اتق الله،‮ ‬فإن تكفير المسلم أمر عظيم‮ ‬يترتب عليه في‮ ‬الإسلام وجوب التفريق بينه وبين زوجته وخروج أولاده عن ولايته،‮ ‬وإذا مات فإنه لا‮ ‬يغسل ولا‮ ‬يصلى عليه ولا‮ ‬يدفن في‮ ‬مقابر المسلمين،‮ ‬ويمتنع التوارث بينه وبين أقربائه والحكم عليه بالخلود في‮ ‬النار‮.. ‬هكذا‮ ‬يقول علماء الإسلام‮.. ‬فهل تعلم كل هذا وتستحضره عندما تكفرالناس جهرة؟‮! ‬فهل تقرأ قوله تعالى‮: “‬والذين‮ ‬يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا”؟ وهل تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم‮: “‬إذا قال الرجل لأخيه‮ ‬يا كافر فقد باء بها أحدهما”؟‮!‬

تقول له‮: ‬اتق الله في‮ ‬دين الله وفي‮ ‬عباد الله‮..‬

فيقول لك في‮ ‬غرور عجيب‮: “‬المؤمن الحق‮ ‬يجهر بالحق ولا‮ ‬يخشى في‮ ‬الله لومة لائم‮”. ‬ألا ما أبعد هذا السلوك عن الإسلام وما أغربه عنه‮. ‬قال عليه الصلاة والسلام‮: “‬من قال لا إله إلا الله وكفر بما‮ ‬يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل‮”.‬

لقد وضع سلفنا الصالح مصنفات في‮ ‬التفريق بين الكفر والمعصية،‮ ‬إمعانا منهم في‮ ‬التحذير والاحتياط،‮ ‬عملا بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم‮.‬

روي‮ ‬عن عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه أن رجلا على عهد النبي‮ ‬صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جلد في‮ ‬شرب الخمر،‮ ‬وأوتي‮ ‬به‮ ‬يوما فأمر به فجلد،‮ ‬فقال رجل من القوم‮: ‬اللهم العنه ما أكثر ما‮ ‬يؤتى به فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم‮: “‬لا تلعنوه‮.. ‬فوالله ما علمت إلا أنه‮ ‬يحب الله ورسوله‮”.‬

سبحان الله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،‮ ‬يشهد لشارب خمر بأنه‮ ‬يحب الله ورسوله‮.. ‬بل ويقسم على ذلك ولا عجب،‮ ‬فهو إنما بعثه الله هاديا مبشرا ونذيرا ومذكرا ولم‮ ‬يأمره بشق صدور الناس للتنقيب عما في‮ ‬قلوبهم،‮ ‬كما قال هو عن نفسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،‮ ‬بل هو موكل بالظاهر من القول والفعل،‮ ‬وبإقامة حدود الله على القوي‮ ‬والضعيف والغني‮ ‬والفقير على حد سواء،‮ ‬وأما بواطن النفوس وسرائرها فإنه‮- ‬صلى الله عليه وسلم‮- ‬خير من‮ ‬يعلم أنها من شأن الخالق وحده سبحانه‮.‬

لقد كان علماؤنا وأئمتنا إلى عهد قريب‮ ‬يصرفون طاقتهم كلها في‮ ‬مواجهة‮ “‬الغزو الثقافي‮ ‬الغربي‮” ‬متعدد الجبهات والمجالات،‮ ‬وهم مشكورون في‮ ‬كل ذلك ومأجورون إن شاء الله،‮ ‬ففرض عليهم اليوم واقع الجزائر الجديد أن‮ ‬يواجهوا‮ ‬غزوا آخر لعله أشد خطرا هو‮ “‬الغزو الديني‮”..‬

مقالات ذات صلة