الغموض البنّاء
إلى زمن غير بعيد، كانت الحروب العربية الإسرائيلية مجرد فسحة صهيونية معروفة النتيجة مسبقا، وكانت خطب قادة العرب لا تثير اهتمام الإسرائيليين، وفي أحسن الأحوال يتسلّون بسماعها، إن لم نقل إنهم هم من يكتبون هذه الخطب، وظلت إسرائيل تحقق الانتصارات السياسية والإعلامية والتجسسية والقضائية والنفسية قبل العسكرية، التي كانت تنهيها في أيام معدودات، رغم مواجهتها لجيوش تمثل معظم دول العالم العربي مدعمة بالمعسكر الشرقي، فكان الإسرائيليون يبنون “دولتهم” ويرسّمون القدس عاصمة لكيانهم.
- وكان العرب مقتنعين أن اللحاق بالإسرائيليين ضرب من المحال، وهم الذين سمّوا جيش إسرائيل بالجيش الذي لا يقهر، قبل أن تسمي إسرائيل نفسها بهذا اللقب، الذي هو في حد ذاته قنوط وكفر، لكن بعد أزيد عن ستين سنة من هذا الصراع، تمكن لبنان بمقاومته من قلب المعادلة، وصارت الحرب الإسرائيلية العربية متوازنة، وأشبه بكسر العظام بالعظام، وتمكّن خطاب السيد حسن نصر الله، أول أمس، من نقل الرعب إلى الطرف الآخر، وحقق انتصارات استخباراتية ونفسية بالتهديد والوعيد، وقذف تهمة اغتيال رفيق الحريري نحو العدو، الذي عاش لسنوات يكبر بصغرنا ويتقوى من ضعفنا ويتوحّد بفرقتنا.. وعندما يقدم سبر آراء إسرائيلي حسن نصر الله كأصدق رجل في العالم، وتعترف صحيفة يداعوت أحرنوت التي صدرت، أمس، بأن تسعين بالمائة من الشعب الإسرائيلي تابع باهتمام وبخوف خطاب السيد حسن نصر الله، ومنهم من تعلم اللغة العربية من أجل فهم ما يقوله هذا الرجل، ومعرفة ما يجري في لبنان، البلد الصغير الذي كشف جواسيسهم وصمد أمام آلتهم الحربية المدعمة من الولايات المتحدة، وأخافهم كما كانوا يخوّفون ثلاثمائة مليون عربي. ولأول مرة صارت حروبهم مجهولة النتائج ومجهولة العواقب، وقد تطول شهورا طويلة، بعد أن كانت لا تزيد مدتها عن أسبوع واحد .
- لقد تمكن الاستعمار القديم من استثمار سياسة “فرق تسد” ولكن الفرقة هذه المرة هي التي ستنسف سيادة إسرائيل التي استمرت على مدارأزيد عن ستين سنة، فالدولة العبرية التي كانت تتفسح في حروبها مع العرب المتبخترين على أرضهم الممتدة من المحيط إلى الخليج، صارت الآن تعجز عن تحقيق أدنى انتصار أمام حركة حماس، التي هي جزء من فلسطين، وأمام حزب الله الذي هو جزء من لبنان، وهي بالتأكيد تحلم بوحدة عربية وزعيم واحد وخطاب واحد وجيش واحد، تسحقه حيثما شاءت، بعيدا عن تهديدات فرس إيران وعتاب الأتراك.
- الغموض البنّاء الذي هو سياسة حزب الله على لسان أمينه العام، هو الذي غيّر معادلة انتصار دويلة على دول عربية كثيرة إلى انتصار حزب أو حركة على كيان عسكري كبير، مدعوما بدول الشرق والغرب .