الشروق العربي

الغيرة الإلكترونية.. عندما يتحول الاهتمام إلى جوسسة رقمية تهدد الحياة الزوجية

نسيبة انتصار علال
  • 99
  • 0

لم تعد الغيرة مرتبطة فقط بمن يتحدث إليه الزوج أو الزوجة في الواقع، أو بمن يتأخر في العودة إلى المنزل، بل انتقلت إلى العالم الرقمي لتأخذ أشكالا أكثر دقة واستمرارية، فهناك من يراقب قائمة المتابعين، ويحصي الإعجاب، ويدقق في التعليقات، ويتفحص أوقات الظهور، ويتساءل عن كل رسالة أو طلب متابعة، بل وقد يتحول الأمر إلى تفتيش الحسابات والهواتف بدافع ما يسمى الحب والاهتمام،لكن ما يبدأ أحيانًا بسؤال عابر من قبيل: “من هذه التي أعجبت بمنشورك؟” أو “من هذا الذي يتابعك؟”، ينتهي باعتبار الهاتف مصدرا دائما للشك والخلافات الزوجية.

تعد الغيرة الإلكترونية شكل من أشكال الغيرة العاطفية المرتبطة بسلوك الشريك على مواقع التواصل والمنصات الرقمية، وهي لا تحتاج بالضرورة إلى دليل على الخيانة، فقد تنشأ من مجرد تفسير سلوك رقمي عادي باعتباره تهديدا للعلاقة على غرار إعجاب بصورة، متابعة حساب جديد، تعليق من شخص من الجنس الآخر، رسالة في وقت متأخر، حذف محادثة أو حتى ظهور الشريك متصلا دون الرد… كلها تفاصيل قد تتحول في ذهن الطرف الغيور إلى “أدلة”.

بين الاهتمام والتجسس

يبرر بعض الأزواج مراقبتهم لشريكهم بالرومانسية، والاهتمام، لكن هذا لا يجعل المراقبة المستمرة سلوكا صحيا للعلاقة بالضرورة، فهناك فرق بين الشفافية المتبادلة التي يختارها الطرفان، وبين محاسبة الشريك على كل تفاعل رقمي، وفي هذا تؤكد عقيلة دبوب الأخصائية النفسية خبيرة العلاقات: “عادة الغيرة هي ما يزيد مراقبة الشريك إلكترونيا، وترتبط هذه الديناميكية بانخفاض الرضا عن العلاقة، أما الخطير في الغيرة الإلكترونية هو أن مواقع التواصل تقدم كمية هائلة من المعلومات الصغيرة، وهذه الوفرة في المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الأمان العاطفي، ففي بعض الحالات، كلما زادت المعلومات، زادت معها الأسئلة والشكوك”.

التعلق والخوف من الهجر.. شعور يفسر السلوك

تشير دراسات في علم النفس، أن بعض أنماط التعلق قد يرتبطان بسلوك مراقبة الشريك إلكترونيا،كما تعتبر أن الخط الفاصل بين الغيرة الطبيعية والسلوك المؤذي يظهر عندما تبدأ المراقبة في فرض قيود على حياة الشريك، فقد يبدأ الأمر بمنع متابعة أشخاص معينين، ثم الاعتراض على نشر الصور، ثم رفض الحديث مع زملاء العمل، ثم طلب حذف حسابات معينة، والتدخل في قائمة الأصدقاء، ثم اشتراط إرسال صور أو إثباتات عن مكان وجود الشريك، وفي الحالات الأكثر خطورة، قد تترافق الغيرة الرقمية مع التهديد والإهانة والعنف أو التحكم في العلاقات الاجتماعية، ذلك أن الشخص الذي يبحث عن دليل يثبت أن شريكه يخفي شيئا قد يجد دائما تفصيلا قابلا للتأويل، تقول هداية: “زوجي ينتظر كل رسالة قصيرة، ويبحث عن أي إعجاب قديم او متابعة جديدة أو تعليق عادي ليؤوله على مقاس شكوكه، المشكلة لديه أعمق من غيرة وإنما انعدام الثقة والخوف من الهجر، نتيجة تجارب سابقة مؤلمة عاشها، بالإضافة إلى المشكلات الحقيقية في العلاقة التي لم نتمكم من معالجتها”.

هل كل غيرة إلكترونية مرضية؟

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الغيرة من شعور يتم التعبير عنه بالحوار إلى سلوك مراقبة وسيطرة واستجواب مستمر،كما ينبغي التفريق بين الغيرة المبنية على مجرد افتراضات، وبين وجود سلوك حقيقي يهدم الثقة، مثل الكذب المتكرر أو الخيانة أو إخفاء علاقات عاطفية،فالشعور بالغيرة في حد ذاته شعور إنساني طبيعي، وقد يظهر عندما يواجه الشخص موقفًا يراه تهديدا لعلاقته، لهذا فإن العلاقة الصحية لا ينبغي أن تقوم على قاعدة أثبت براءتك باستمرار، فالخصوصية ليست مرادفًا للخيانة، كما أن الشفافية لا تعني إلغاء الحدود الشخصية.

مقالات ذات صلة