الرأي

الفاعل المجرور بالنصب

عمار يزلي
  • 148
  • 0

لا أحد بات اليوم ينكر أن الكيان الصهيوني جرّ الولايات المتحدة جرًّا، لكونه لا يقدر بمفرده على مواجهة كل المعارك التي خاضها ويخوضها ضد شعوب المنطقة، ويخوضها اليوم ضد إيران. هذا الأمر كان واضحا من قبل، لكن الأمر صار مكشوفا اليوم أكثر. ألاعيب انطلت على كثير من رؤساء الولايات المتحدة، باعتبار الكيان “الابن غير الشرعي المدلل” الذي يعوَّل عليه للقيام بمهام قذرة خفيّة ومعلنة في المنطقة، منذ أن استفردت بموقفها الداعم للكيان في كل صغيرة وكبيرة، وارثة تركة الإرث المسموم لسايكس بيكو الذي استحوذت عليه من أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية.

الكيان يجرُّ اليوم الولايات المتحدة جرًّا نحو حتف الأولى قبل الآخرة: الكيان، ومنذ بدء تنامي اليمين الديني المتطرف على حساب التيار العلماني الصهيوني المؤسِّس للكيان، صار أكثر تشددا في مواجهة مصير يراه محتوما: الزوال، وهذا بسبب إيمانه بمعتقد يتقاسمه مع المسيحيين والمسلمين: نهاية الكيان ومجيء المخلّص وظهور المهدي المنتظر. ثلاثة أحجار “أثافي” تبني عليها الرواية والفكر اليهودي الديني المتصهين “موقدها” ونار قِدْرها، في تجييش “شعب الله المختار” لمواجهة النبوءات التي تتحدَّث عن زوال الكيان في 2027. هم من ينشرون هذه الرواية ويركبون هذا المنطق لجرِّ الولايات المتحدة، بزعامة ترمب، ويمينه الإنجيلي، الذي يلتقي مع الرواية الصهيونية اليهودية في مسألة تعجيل مجيء المسيح لدى الإنجيليين، و”الميسيا” المخلّص، الذي ليس هو إلا المسيح الدجال عندنا، وتمكينه من تحقيق نبوءة دولة “ما بين النيل والفرات”.

السطحية التاريخية والثقافية التي يتَّسم بها ترمب الذكي في الصفقات، خانته سذاجتُه وغروره، بعدما أحاط نفسه بهالة من المستشارين والموظفين على شاكلته، بارك هذا الموقف من نتنياهو القاضي بتدمير إيران قبل فوات الأوان، أي قبل موعد 2027، السنة القاتلة التي روَّج الكيان لها على لسان نتن ياهو ونخبة اليمين المتطرف في حكومته الإجرامية، أنها ستكون سنة الفناء لو توصَّلت إيران إلى صنع قنبلة نووية واحدة وألقتها على الكيان. قنبلة واحدة كافية لمحو دويلة الكيان من الوجود. هذا الكلام تردد مؤخرا حتى على يد ولسان ويتكوف. البيت الأبيض، قرأ هذا الخبر الأسود على أساس أنها حقيقة أو على الأقل اتخذها مطية وذريعة، للإسراع بتنفيذ “الوعيد قبل اليوم الموعود”؛ فالرئيس ترمب، مثل باقي الرؤساء السابقين، يرى في إيران العدو الذي لا يمكن تطويعه بالإغراءات المادية ولا حتى لجمه بالعقوبات والحصار، وأن الحل الوحيد لضمان أمن “المنطقة”، أي أمن الكيان، هو قطع رأس العدو كما يقولون، وبتر ذيل الأفعوان وسلخ جلده: هذا من شأنه بالنسبة لترمب، أن يسمح له بالانفراد بالشرق الأوسط بلا وجع دماغ، ويستأثر بالصفقات تحت رعاية الكيان، دركي المنطقة بلا منازع، مرورا بتحقيق “السلام” في فلسطين وغزة على النحو الذي يراه تاجر ومقاول صاحب صفقات. لهذا، انجرَّ ترمب وتبنَّى العدوان ونسَّق مع الكيان لاكتمال العدوان لتحقيق الغرضين المختلفين قليلا من حيث الرؤية، والمشتركين في الأدوات والمنهجية التي يجب التعاطي بها مع إيران.

الأمر لم يسر على النحو المنشود، والحسابات الخاطئة أربكت الكيان وداعمه في البيت الأبيض، الذي رأى كيف أن العالم كله بات يعيش كابوسا أمنيا واقتصاديا غير مسبوق بسبب هذا العدوان غير المبرر لا أخلاقيا ولا قانونيا، فإيران لم تهدد الولايات المتحدة ولم تكن يوما على وشك تنفيذ أي هجوم عليها ولا حتى على الكيان ما لم يقوما بذلك أولا.

الفاعل الحقيقي اليوم، المجرور عمليا بالضم وبالنصب معا، يتجرّعان اليوم مرارة العلقم.

مقالات ذات صلة