الجزائر
الوالي السابق بشير فريك لـ"الشروق"

الفاف كالأحزاب.. رئيسها هو الإمبراطور ويعمل بفلسفة “سردوك” المجموعة

الشروق أونلاين
  • 2914
  • 2
ح م
بشير فريك

قال الوالي السابق بشير فريك، إنه حان الوقت لإجراء تغييرات جذرية على هرم الاتحاد الجزائري لكرة القدم بعد إخفاق الغابون، مشددا على ضرورة رحيل محمد روراوة، الذي حمله مسؤولية هذه الخيبة، ودعا الوالي السابق لوهران في حوار لـ”الشروق”، بضرورة تغيير الإستراتيجية الكروية الجزائرية والرياضية، وعدم الاعتماد على الأسماء فقط للنهوض من جديد بكرة القدم الجزائرية، التي تستدعي حسبه نفسا جديدا، على اعتبار أنها تلطخت بكل أنواع الفساد.

 يقال إنك رجل تعشق كرة القدم، وسبق لك ممارستها بطريقة نظامية، هل هذا صحيح؟

بالطبع كأغلب الجزائريين مارست كرة القدم في صغري في الشوارع، كما انخرطت في فريق محلي يمثل حيّا من أحياء باتنة، هو وداد باتنة، أين لعبت كمدافع، لكن صراحة مشواري لم يتواصل لفترة طويلة، لأنني فضلت الاهتمام بمشواري الدراسي.

 لكنك كنت مهتما كثيرا بالرياضة وكرة القدم على وجه الخصوص، وعملت في حقل الإعلام الرياضي؟

صحيح وإلى غاية الساعة لازلت مهتما بهذا المجال، وبما أنك ذكرت تجربتي كإعلامي، فأنا التحقت بجريدة النصر وعمري 23 سنة، وعملت في بعض الأقسام كالمحلي والوطني لكن لفترة قصيرة، لأني شعرت بأني غير منسجم، لهذا قررت الانتقال إلى القسم الرياضي بفضل مدير الجريدة آنذاك عبد العالي فراح، الذي كان يعطف عليّ لأني كنت صغيرا وفي بداية مشواري، وعملت آنذاك مع المرحوم مخلوف بوخزر رحمه الله وحسين نيني، الذي كان رئيسا للقسم الرياضي، وهما اللذان ساعداني كثيرا في مشواري، ومع الوقت تخصصت نوعا ما في كرة القدم، رغم أننا كن نهتم بكل الرياضات، وكنا نحاول منافسة الصفحة الرياضية للمجاهد، التي كانت بمثابة معيار في تلك الفترة.

 ماهي أهم الذكريات التي تحتفظ بها خلال مشوارك كإعلامي رياضي؟

يضحك.. أتذكر قصة تغطيتي لنهائي كأس الجزائر 1976، الذي جمع بين مولودية قسنطينة ومولودية الجزائر، حيث تم تعييني من طرف مسؤولي الجريدة للتنقل إلى العاصمة من أجل تغطية هذه المباراة، لكني كنت بصدد اجتياز الامتحانات في تلك الفترة لأن النهائي كان يجري في تاريخ 19 جوان وكنت أتمنى إعفائي، لكن المدير أصر على تعييني وقال بأنني سأسافر في الطائرة صباحا وأعود مساء..الخيارات لم تكن متاحة أمامي، فأخذت تكليفا بالمهمة وغادرت إلى منزلنا بباتنة، ومن هناك تابعت النهائي على مستوى التلفزيون والإذاعة، وعند نهاية اللقاء أرسلت التقرير إلى الجريدة وكأنني كنت في الملعب.. يضحك.. كان عمري آنذاك 26 سنة، مسؤولو الجريدة لم يتفطنوا لذلك، لكني صارحت المدير بعد فترة بذلك، وقال لي إنها المرة الأولى التي يتعرض فيها لمثل هذا الموقف.     

 ماهي أهم المواعيد الرياضية الكبيرة التي سبق لك تغطيتها؟

من أهم الأحداث التي غطيتها، كان نهائي ألعاب البحر الأبيض المتوسط لسنة 1975.. هذه الدورة كانت لا تنسى لأن النهائي كان مع فرنسا، الجميع كان يعي جيدا ما تعنيه هذه المباراة بالنسبة للشعب الجزائري والدولة الجزائرية، ونحن لم يمر على استقلالنا سوى 15 سنة، لقد كانت الفرحة عارمة في المواجهة النهائية، ثم غطيت بعد ذلك الألعاب الإفريقية سنة 1978.

 كيف عشت نهائي 1975 كإعلامي وجزائري؟

لقد عشت هذا النهائي كجزائري أكثر منه إعلامي، فأنا لا أخفي عليكم بأنني من عائلة ثورية وكنت بالطبع أرفض بقوة كل ما هو فرنسي، بالنسبة لي نهائي 75 كان بمثابة ثورة ثانية ولم تكن مجرد مباراة فقط.. أنا أتحدث معك بانفعال كبير في هذه اللحظة لأنني أتذكر تلك الصور، الجميع كان ينتظر أن يتوج المنتخب الوطني بالميدالية الذهبية، لأنه لم نكن نتصور أن يقوم الرئيس هواري بومدين بتسليم الميداليات الذهبية للاعبي المنتخب الفرنسي، ولهذا كانت الفرحة كبيرة جدا بعد نهاية اللقاء وتتويج أشبال مخلوفي بالميدالية الذهبية.

 ما صحة قصة خروج بومدين من اللقاء بعد أن كان المنتخب الفرنسي متفوقا في النتيجة؟

لا أستطيع أن أنفي أو أؤكد ذلك لأني كنت في منصة الصحفيين ومنشغلا بمتابعة اللقاء، المهم الشعور كان خاصا جدا لأنها كانت أول مباراة بين الجزائر وفرنسا بعد الاستقلال، والاحتفالات بعد نهاية اللقاء كانت بحجم هذه المباراة الاستثنائية، حيث شهدت العاصمة احتفالات كبيرة جدا، العاصميون لم يناموا في تلك الليلة، ونفس الأجواء عرفتها الولايات الأخرى لأن اللقاء كان ضد المنتخب الفرنسي.

 كيف كانت علاقتك برؤساء الأندية في تلك الفترة؟

لا مجال للمقارنة مع الوقت الحالي، أين لا نعرف إن كنا في زمن الاحتراف أو التسيير الهاوي، ولا نفرق بين رئيس النادي المحترف  أو الهاوي، في الماضي كان الاهتمام منصبا على اللاعبين فقط، هم كانوا النجوم وليس الرؤساء كما يحدث حاليا، ولهذا علاقتي كانت مع اللاعبين، على غرار الإخوة صالحي وقريش وباشطا وبتروني، لقد كان ذلك زمن الكرة الجميل، ولعلمك فإن أندية الشرق التي تلعب حاليا في قسم ما بين الرابطات، كلها لعبت في القسم الأول، على غرار حمراء عنابة واتحاد عين البيضاء وجمعية عين مليلة وغيرها، والداربيات آنذاك كان لها طعم خاص، وعندما تنتهي كان الجميع يخرج من الملعب كأصدقاء.

 اهتمامك بكرة القدم تواصل لما كنت واليا في التسعينات؟

نعم لقد كنت واليا على ثلاث ولايات، وبدايتي كانت بولاية جيجل وحاولت مساعدة فريق شباب جيجل ماديا ومعنويا لكن ذلك لم ينجح، بعدها تنقلت إلى وهران من سنة 94 إلى 97، وفي تلك الفترة قمت بمساعدة جمعية وهران المدرسة العريقة، التي كانت تجد صعوبات في البقاء بالقسم الأول، وسطرت برنامجا لمساعدتها وفق أهداف معينة، كما دعمت أيضا مولودية وهران التي كان على رأسها بليمام صاحب الشخصية القوية، لقد ساندته كثيرا رغم أني دخلت معه في بعض الخلافات، وعلى رأسها قضية تحويل أرضية ملعب زبانة من العشب الطبيعي إلى الاصطناعي، لقد رفضت طلبه، وبدلا عن ذلك غيرت قناة المياه التي كان يسقى بها عشب ملعب زبانة، والتي كان يقال إن مياهها مالحة وتضر عشب الملعب كثيرا، كما أتذكر بأنني كنت حاضرا في تتويج المولودية الوهرانية بكأس الجزائر سنة 1996 على حساب اتحاد البليدة، حيث حضرت النهائي بملعب 5 جويلية، كما أقمنا حفلا تكريميا على شرف اللاعبين بعد التتويج في وهران.

بعدها تحولت إلى ولاية عنابة، وكانت لك علاقة مع فريق اتحاد عنابة، أليس كذلك؟

نعم وكان ذلك ما بين سنتي1997 و1999، وللأمانة وبكل تواضع يمكن القول أني كنت وراء صعود اتحاد عنابة.. رئيس الفاف آنذاك صديقي ذيابي رحمه الله، أصدر قرارا يقضي بصعود أربعة فرق من القسم الثاني وهو ما كان في صالح الاتحاد، في تلك الفترة الفريق كان تحت إشراف الجامعة، وكان عميدها محمد أمير صديقا لي، لكن الاتحاد كان رهينة لمجموعة الطابق الـ13 كما كانت تسمى آنذاك، ولهذا قررت أن أغير وضعية الفريق لدفعه إلى الأمام، فاستقبلت عبد النور ميريبوط وقررت منحه مسؤولية رئاسة الفريق رغم أنه لم يكن يتفاهم مع جماعة الطابق الـ13، ولما جاء محمد أمير وطلب مني مساعدته في جلب المدرب قليل رحمه الله، قمت بذلك وقلت له بأن الفريق في حاجة إلى ثورة وعليه إخراج الفريق من جماعة الطابق الـ13، فكان ذلك ونصبنا ميريبوط رئيسا للفريق، كما أن تواجدي بولاية عنابة ارتبط بجلب المنتخب الوطني إلى المدينة ولعب تصفيات كأس أمم إفريقيا 2000، وتأهلنا إلى هذه الدورة من مدينة عنابة.

 ما رأيك في ظاهرة العنف التي اجتاحت الملاعب الجزائرية؟

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا، الرياضة قبل كل شيء هي أخلاق وتربية وهو ما نفتقده حاليا، نحن لم نعالج ظاهرة العنف، وحتى الإعلام الرياضي لم يلعب دوره لأنه يتحمل جزءا من المسؤولية من خلال بعض العناوين الرياضية المؤججة على العنف والكراهية، كما أن كرة القدم الجزائرية ملطخة بالفساد المالي والأخلاقي، والدليل الحديث عن قضايا الرشوة وترتيب نتائج المباريات دون حسيب ولا رقيب، فماذا يمكننا أن ننتظر من محيط متعفن كهذا..؟ 

 ومن يتحمل المسؤولية، حسب رأيك؟

الجميع، وحتى الدولة لها مسؤولية في ذلك، فدور الوزارة هو تأطير الرياضة وكرة القدم على وجه التحديد، وإذا لم تقم بذلك فكأنها لم تفعل أي شيء.. وزراء الشباب والرياضة في الجزائر لا يملكون أي استراتيجية وهو يكتفون بردود الفعل فقط، الجميع يعرف أن هناك خللا كبيرا في تسيير كرة القدم وليس على مستوى الفاف فقط.. هناك خلل في الأندية والرابطات، وكل طرف يتحمل جزء من المسؤولية.

 وما رأيك في الرواتب الخيالية التي تمنح للاعبين حاليا؟

صراحة حاولت أن أفهم هذه القضية لكن من دون جدوى، لأننا لم نختر مشروع الاحتراف الحقيقي، واكتفينا بتطبيق النماذج المقترحة بشعار “انسخ والصق”، هل لدينا مشروع احتراف كامل ومدروس..؟، لا أظن ذلك، كل شيء أعطيناه طابعا اجتماعيا، هذه القضية بالنسبة لي معادلة متعددة المجاهيل من الصعوبة حلها، إذا كان رؤساء الأندية رفضوا قرار تسقيف الأجور، فعليه أن يظهروا “حنة يديهم” كما يقال، ويتكفلوا بمصاريف أنديتهم وراتب لاعبيهم من دون اللجوء إلى المساعدات العمومية، كان من المفروض أن نطبق مشروع الاحتراف بمنهجية وتدرج، وليس تطبيق الجوانب السلبية منه، كالرواتب الخيالية ثم نضغط على الولاة والأميار، هذه السلوكيات مرفوضة، وعلينا تنظيم جلسات وطنية حول هذه القضية.

 المنتخب الوطني خرج بنتيجة مخيبة من الغابون، كيف تابعت ذلك؟

كأي جزائري أصبت بخيبة أمل كبيرة، لأن آمالنا كانت معلقة على وعود كاذبة ومعطيات خاطئة، ففي أقل من سنة مر على المنتخب ثلاثة مدربين ماذا تنتظر..؟ هذه إذن معطيات خاطئة، وفي تصفيات كأس العالم تعادلنا أمام الكاميرون وخسرنا أمام نيجيريا، لكن رئيس الاتحادية وحتى يمتص غضب الشارع، قال إنه سيذهب إلى الغابون من أجل العودة بالكأس، عندما يسمع المناصر البسيط هذا التصريح يكبر الأمل لديه وبعدها يشعر بالإحباط ويكون له رد فعل، وهذا ما حدث بعد إخفاق الغابون.

 من يتحمل مسؤولية الإخفاق حسب رأيك؟

بالطبع رئيس الاتحادية هو من يتحمل المسؤولية، لا أعرف الشخص، لكن أعرفه إعلاميا.. الجميع يعرف أن روراوة ليس رئيسا للاتحادية بل هو رئيس للمنتخب الوطني، بعض الناس تقول إنه يفرض آراءه حتى على المدربين من الناحية الفنية، إذا كان كذلك فلماذا لا يصبح مدربا..؟، ولهذه المعطيات قرر جلب ليكنس، لأنه مدرب لا يملك شخصية قوية.. الفاف كالأحزاب، فرئيس الحزب هو الإمبراطور، وهو الذي يهندس لمؤتمر الحزب من يحضر ومن يحكم، حتى يصبح “سردوك” المجموعة، وهو ما ينطبق على روراوة، كما أود إضافة شيء مهم..

 تفضل

ليس لي أي شيء ضد قرباج، لكني سمعته في إحدى المرات يقول إنه إذا ذهب روراوة فسيرحل هو بدوره.. هذا غير منطقي، إذن أنت لا تخدم كرة القدم بل تخدم روراوة، هل روراوة نبي لا يخطئ..؟، يجب أن نخرج من هذا التفكير السلبي.

 بعض الأطراف تطالب برحيل رورواة، لكن بالمقابل أطراف أخرى تقول أن الخليفة غير موجود.. ما رأيك؟

يضحك.. أنا لا أؤمن بفرضية الرجل المعجزة، إنها صفة من سمات الجزائريين فقط.. المشكل في روراوة وحان الوقت ليترك مكانه بشرف، لا يجب أن نقول أن روراوة لم يقدم أي شيء لكرة القدم الجزائرية لأن ذلك خطأ في حد ذاته، لكن كرة القدم الجزائرية بحاجة لنفس وروح جديدة، هل يعقل أننا لا نملك لاعبين محليين في المنتخب الوطني..؟.

 البعض يؤمن بذلك..؟

هذا خطأ كبير، فسليماني خرج من الشراقة وسوداني من الشلف وحليش من النصرية وبلكالام من الشبيبة وغيرهم، وهذا من دون أن أتحدث عن الماضي وجيل الثمانينات، لما تكون هناك إرادة وإستراتيجية تكون النتائج، فانظروا بارادو فريق يكوّن أحسن من الفاف..سياسة البحث عن النتائج لن تقودنا إلى شيء، أنا لست ضد اللاعبين المحترفين في الخارج، لكن لو كان عدد اللاعبين المحليين أكثر في المنتخب لسهلت مهمة المدرب، ولا كان له وقت أطول لتحضير النخبة الوطنية، ولما ارتبط مصير المنتخب بمصير اللاعبين المحترفين، البعض يحتقر اللاعبين المحليين وحتى المدربين المحليين، كما حدث لسعدان.

 ماذا تقصد..؟

لقد قرأت الحوار الأخير لسعدان في جريدة “الشروق”، وتأثرت كثيرا لما حدث له مع رئيس الفاف، سعدان أصيب في الصميم سنة 1986 وبعدها مع روراوة، لا يمكن أن نقول أن سعدان رجل أعمال ولا فاسد ماليا..سعدان رجل كرة القدم وتأسفت لنهايته.. سعدان يستحق نهاية أفضل من هذه.. هل هذا جزاؤه..؟، المشكل في الجزائر أن الحركة الرياضية “تاكل ولادها”.

مقالات ذات صلة