الرأي

“الفايسبوك”.. المقاومة السلبية!

نصر الدين قاسم
  • 2136
  • 4

كان الجزائريون في السابق في عهد الكبت والغلق والتضييق، قبل زمن شبكات التواصل، يلجؤون إلى الكتابات الحائطية، ودورات المياه، أكرمكم الله، للتعبير عن أرائهم، وانتقاد السلطة وسياساتها ورجالها حتى بالكلام البذيء أحيانا… الصورة نفسها تقريبا انتقلت إلى الشبكة العنكبوتية، فقد وجد الجزائريون في هذا العالم الافتراضي الفضاء الذي يعبرون فيه عما يختلج صدورهم، أو يشغل بالهم أو حتى ما في أنفسهم من مكبوتات وحسرات “يكتنزونها” في أفئدتهم..

معظم الغاضبين الراغبين في التنفيس عن أنفسهم بالكلام الغليظ، والألفاظ النابية، واللغة السوقية يختفون وراء أسماء مستعارة لأنهم يستحون مما يكتبون، لعلمهم بدونية ما يفعلون، وحرصهم على التعبير بما يثلج صدورهم ويعكس مستواهم… هذه الشريحة للأسف تشكل حسب بعض التقارير، النسبة الأكبر من مريدي شبكات التواصل ومنشطيها. إن المتابع لنشاط الجزائريين الافتراضي يلاحظ ندرة النقاش البناء أو “التغريد” المؤنس المؤثر الذي يضيف شيئا للمتواصل في حديقة افتراضية حولها “النعيق” إلى ما يشبه دورات المياه وما كانت تعج به حيطانها من كتابات وسباب وشتم ورسومات مخلة بالآداب العامة… 

هذا المستوى المتدني في استغلال التكنولوجيا نتيجة حتمية لسياسة القمع والاضطهاد والتجهيل والتفقير والتسفيه والغلق والإقصاء والتشريد والتعتيم والتضليل التي مورست على الجزائريين طيلة عشريات من الزمن فانعكست على معظم الناس، فطبعت سلوكاتهم، ومعاملاتهم وتواصلهم وعلاقاتهم الاجتماعية وطريقة تربيتهم لأولادهم، وحوارهم الاجتماعي.. نحن اليوم أمام جيل عنيف في مزاجه وسلوكه وردات فعله، متمرد رافض لكل شيء.. فلا يغرنك الهدوء الذي يبدو عليه فهو مستعد لينفجر في أية لحظة ولأتفه الأسباب، وما الحروب التي تندلع بين سكان الأحياء بالسيوف والخناجر والقضبان والعصي والهراوات وغيرها، بل وحتى بين سكان الحي الواحد أو بين سكان العمارة الواحدة، أو بين الأصدقاء في المقهى والحافلة وغيرها، خير دليل على ذلك.

هؤلاء الشباب هم الذي ينشطون في شبكات التواصل الاجتماعي وينتقلون بالعقلية نفسها إلى التعبير عن مكنوناتهم  وأرائهم في مختلف المواضيع وإن كانوا قليلي التعاطي مع القضايا السياسية، ليس لأنهم زاهدون فيها إنما لاستهجانهم لها ويقينهم بأنها محتكرة من طرف زبانية النظام والمستفيدين منه فهم يرفضون هذا النظام وسياسته ورجاله كلهم أجمعين.

من هذا المنطلق يمكن تفسير طريقة تعامل هؤلاء الشباب مع موضوع الرئاسيات واتفاقهم العفوي على الخوض في تسفيهه والتنكيت عليه والسخرية من مرشحيه والاستهزاء بمنشطي حملتهم.. فمن غير المعقول أن يرفض المرء موضوعا برمته ثم يقبل بمناقشة تفاصيله، إذ لم يبد “الأنترنيتيون” أي اهتمام بالحملة الانتخابية أو المرشحين أو برامجهم ووعودهم، وراحوا يخوضون في مواضيع أخرى لا صلة لها بالموضوع بقدر ما هي رسالة لمن يهمه الأمر يؤكدون فيها أنهم “فاهمين اللعبة” وأنهم ليسوا مغفلين..

الجزائري أصبح يتوجس من كل شيء ويشك في كل شيء، فكما يسخر من المرشحين وينفر من هذه الانتخابات، ويكره النظام ورجاله فإنه لا يؤيد دعاة المقاطعة، ولا يثق بحركات الرفض أو بركات وغيرهما من الرافضين للعهدة الرابعة والداعين لتغيير النظام رغم أنه أكثر منهم تمردا ورفضا وكرها للنظام.. وهذه ظاهرة غريبة يصعب تفسيرها وقراءة كنهها قراءة علمية موضوعية صحيحة، وإن كان الكثير يتفق على أنها ردة فعل طبيعية لاعتقاد راسخ لدى الجزائريين، تكرس مع ترسب التجارب والأزمات جعلهم يجزمون أن كل شيء ملغم، وأن وراء كل تحرك أهدافا مشبوهة أو رجالا مشبوهين، تارة يقولون، المخابرات، وتارة  أخرى الأيدي الأجنبية، أو المخربون، أو مافيا المال والأعمال.. المهم لا يتوسم الجزائريون الخير في أي شيء ولا يعتبرونه عفويا على الإطلاق..

وعليه فإن سلوك الجزائريين بصفة عامة  في شبكات التواصل الاجتماعي، وطريقة استغلالها في التعاطي مع الرئاسيات تمثل استمرارا طبيعيا لسلوكاتهم في أماكنهم الحميمية أو زواياهم الانفرادية أو حيطانهم المنعزلة، أو دورات المياه، وهذا استغلال سلبي لوسائل تكنولوجية تتيح لهم فرصة التعبير عن أنفسهم وطرح أرائهم والجهر بها ومناقشة مصيرهم بكل صراحة وحرية واستقلالية…

إن رفض كل شيء يتعاظم يوما بعد يوم في العالم الافتراضي، دون أن يؤثر في واقع الناس وحياتهم الاجتماعية والسياسية، لكنه يعكس تنامي ما قد يصبح في المنظور القريب “مقاومة سلبية” لتغيير النظام في زمن الثورات وما يعرف بالربيع العربي، بما يشبه مقاومة غاندي السلمية السلبية للاستعمار البريطاني في زمن لم يكن يعرف العالم غير الثورات والحروب لإسقاط الاستعمار..       

مقالات ذات صلة