الرأي

“الفايس بوك” أخطر من.. كورونا!

أرشيف

كشفت جائحة كورونا، التي أودت بحياة قرابة نصف مليون نسمة في العالم، وعصفت بالأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى الأمنية القوية في العالم، الكثير من الحقائق المخفية عن الحكام والشعوب والأفراد، وعن مقدرتهم في جعل الأزمة قادرة على ولادة همّة، أو الاستسلام لها، أو حسن أو سوء التعامل معها. وإذا كنا في الجزائر نختلف في تقييم أداء السلطة والشعب معا، تجاه الجائحة من الناحية الصحية، فإننا نتفق على أن أمراضا جانبية، قد ظهرت وعجزنا عن مداواتها، ونخشى أن نقف قريبا في طوابير، لنتلقى لقاحا يُنجينا من فيروس كورونا، ولا نقدر عن تفادي تبعات هذه الأمراض، ومنها الإدمان على “تعاطي الفايسبوك” ومختلف “أوجاع” التواصل الاجتماعي، بالطرق الإلكترونية الجافة التي تُنسي الإنسان “إنسانيته”، وتجعله عبدا مطيعا لأهوائه، وبالتأكيد لأهواء الآخرين.

كثيرون من الذين انظموا لـ”شعب الفايس بوك”، والذين أدمنوا تعاطيه حدّ الثمالة، أسقطوا كلمة “التواصل” و”الاجتماعي” من روح هذه الوسيلة الإلكترونية، فبمجرد أن تسبح لبعض الوقت في الفضاء الأزرق، تحس وأنك دخلت غابة يأكل فيها القوي الضعيف، أو ربما تتجول في مستشفى للأمراض النفسية، لا يمكن لبعض السابحين في فضائه أن يكون لهم جزء من العقل.

الكارثة لا تكمن في “النقاشات” المطروحة، ولا في المستوى العام الذي يفتقد للغة عربية أو فرنسية أو حتى دارجة سليمة ومحتوى واضح، وإنما في الكمّ الهائل من السابحين، حتى تخاله بالتعداد الكامل للشعب الجزائري، وفي كمّ الساعات التي يقضيها هذا الشعب في السباحة في نفس التيار، والذي تخاله لا يتخلى عن دقيقة واحدة من الأربع والعشرين ساعة التي يقضيها، يحتسي “طاسات” الفايسبوك، حتى يخرج نهائيا من واقعه الذي هو في عمومه سيئ، ويدخل في عالم افتراضي ينسيه دينه ودنياه.

جائحة كورونا، دفعت الملايين من التلاميذ في الجزائر إلى عطلة سيصل مداها إلى أكثر من سبعة أشهر، وإذا كانت وزارة التربية والتعليم وما يسمى بمنظومة الدراسة قد عجزت عن تقديم حلول من خلال التدريس عن بعد، على الأقل كما حدث لدى الجيران أو في بعض الدول الإفريقية مثل إثيوبيا التي حّولت بيوت الناس إلى مدارس، فإن ضخّ الأولياء “الأنترنت” في بيوتهم، وتوزيع مختلف الأجهزة على أبنائهم، من دون ضوابط زمنية ولا مكانية، ولا حتى حراسة ذاتية، هو عملية انتحار جنونية ستكون عواقبها في منتهى “الوخم”.

قبل زمن “التواصل الاجتماعي”، كانت مشكلة الشباب الجزائري، ظاهرة “الحيطيست” الذين يُسندون ظهوهم على جدران الحي، يعلكون “سيرة الناس” كما يعلكون “الشوينغوم”، غير قادرين عن تقديم أي شيء للمجتمع ولأسرهم ولأنفسهم، ولكن عزاءنا كان في كون مدمني “الحائط” أمام أنظار الناس، أما الآن فإنهم منزوون بالملايين في ركن من أركان البيت، “يعلكون” ساعات العمر وأخلاق المجتمع، في أخطر إدمان مسكوت عنه.. إن لم نقل وباء بلا علاج .. ولا لقاح.

مقالات ذات صلة