-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الفتنة الكبرى (الجزء التاسع عشر)

الشروق أونلاين
  • 2953
  • 8
الفتنة الكبرى (الجزء التاسع عشر)

ظل أهل الفتنة بعد اغتيال الخليفة عثمان يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدههم وتبرّأ منهم ومن مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ ويطلب الكوفيون الزّبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلاً، فباعدهم وتبرّأ من مقالتهم؛ ويطلب البصريّون طلحة، فإذا لقيهم باعدهم وتبرّأ من مقالتهم مرَّة بعد مرَّة؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يَهْوَوْنَ، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا، جمعهم الشرّ على أول من أجابهم، وقالوا: لا نولِّي أحدًا من هؤلاء الثلاثة. فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى؛ فرأيُنا فيك مجتمعٌ، فاقدمْ نبايعك. فبعث إليهم: إني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها. وتمثل: لا تخلطنَّ خبيثات بطَيِّبة *** واخلع ثيابك منها وانجُ عريانا. ثمّ إنهم أتوا ابن عمر عبدَ الله، فقالوا: أنت ابن عمر، فقم بهذا الأمر فقال: إن لهذا الأمر انتقاما والله لا أتعرض له، فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون.

خشي أهل الفتنة على أنفسهم إن لم يقبل أحد الصحابة الخلافة، وقالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا دون أن يكون هناك خليفة فلن نسلم، فجمعوا أهل المدينة، وقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبعٌ، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلَنَّ غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا، فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك؛ فأنت ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من بين القرى، فقال علي: دعوني والتمسوا غيري؛ فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وله ألوان، لا تقوم به القلوب، ولا تثبت عليه العقول، فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام؟ ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، ألا إني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه، ثم افترقوا على ذلك.

ولما أصبحوا يوم البيعة، وكان يوم الجمعة، حضر الناس المسجد، وجاء عليٌّ فصعد المنبر وقال: “أيها الناس، عن ملأٍ وإذن، إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر وكنتُ كارهًا لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألاَ وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي، وليس لي أن آخذ درهمًا دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد” فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس؟

فلما أكَّد المسلمون رغبتهم في بيعته، قال: “ففي المسجد، فإنَّ بيعتي لا تكون خفيًّا، ولا تكون إلاَّ عن رضا المسلمين”  فلمّا دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه من حضر من الناس.

لقد كان علي رضي الله عنه كما جاء في كثير من الروايات كارهًا للخلافة، غير راغب فيها، ولكنه تولاّها رغمًا عن إرادته لا إكراهًا- ولكن حرصًا على وَحْدة الأمة، وحفظًا لكيانها الذي يتعرض لفتنة توشك أن تقتلع جذوره، وتعيد أمة الإسلام إلى زمن الجاهلية مرةً أخرى، وفي ذلك  يقول القاضي ابن العربي: “انعقدت له البيعة، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعليٍّ لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه”.

بدأ علي رضي الله عنه خلافته التي لم تستقرّ له منذ اليوم الأول، ولم يهدأ له فيها بال بمواجهة رغبات بعض المسلمين المتطلعة إلى القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه. ولا شك أن القصاص لعثمان رضي الله عنه واجب في كل حال، ولا شك أيضًا أن عليًّا رضي الله عنه كان حريصًا على تنفيذ القصاص، ولكنهوهو الخبير المجرِّب- رأى  ما لم يره كثير ممن رفع شعار “القصاص أولا”..

 

(يتبع)

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • نورالدين الجزائري

    سنة 53 هـ يعيد الجيش الكرة لفتح القسطنطينية في معركة طويلة الأمد كثيرة الصبر دامت 4 سنوات و لكنها مرة أخرى لم تكسر حصونها فأُمرت بالرجوع و الإنسحاب و بقيت هذه المدينة معلقة إلى حين محمد الفاتح الذي شاءت الأقدار الإلهية أن تفتح على يده .
    و الحديث موصول ببقية الفتوحات و مقتل الحسن ثم الحسين أولاد فاطمة الزهراء عليهم رضوان الله .
    تاريخنا الإسلامي لابد من الإمعان فيه و النظر إليه ببصيرة القلب و العقل معرفة الأحداث للأجيال لتكون قدوة لإستقامتهم و صلاحهم نأخذ الصالح و نتجنب الخاطئ .. في أمان الله

  • نورالدين الجزائري

    الإنسحاب إلى حين.و في هذا الوقت المعلوم يلاقي الموت أبو أيوب ! هذا الرجل العظيم الكريم الذي أعطى لرسول الله صلى الله عليه و سلم الطابق العلوي من بيته لما هجر أهل مكة إلى المدينة ، مدة 8 أشهر قدرا إجلالا حبا و تكريما للرسالة و الرسول عليه السلام ، إلى أن بنيّت له الحجرات . و قد وصى أبو أيوب إذا أدركته المنية بـ : أدفنوني في أقرب قطعة أرض من القسطنطينة ، و كما تمنى وفى إخوانه لوصيته ، أخذته كتيبة تحمله و تحمل الدروع لمواجهة نبال الروم ، و دفن في أقرب تربة و هي معروفة إلى يومنا هذا في إسطنبول . في

  • نورالدين الجزائري

    و يزيد له هو الآخر قصة طويلة في توليه الخلافة و علاقته مع الحسين بن عليّ ـ وصل المدد بقيادة يزيد و كان في جيشه الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري و عبد الله بن عمر الخطاب عبد الله بن العباس و عبد الله بن الزبير الذي نجى من الموت بأعجوبة في موقعة الجمل و التي فيه توفي أبوه في طريقه نحو مكة. القسطنطينية صمدت في وجه الفاتحين المسلمين ، و هم يفكرون ينظرون و ينتظرون كيف لنا من هذه الحصون المرور ؟ إلى أن جاء فصل الشتاء و نزل الثلج الذي لا يستطيع الصحابة تحمله لأنهم ما متعودين عليه ، فتحت هذا الطقس قرروا

  • نورالدين الجزائري

    مسلمين فتحوا مدينة دولة على الأرض مدينة هرقل و بين مسلمين لم يستطيعوا فتح باب صغير يسمى : باب رفح !!! لإدخال المعونة و الدواء فقط لا غير ، و لا أقول ليحموا أهل غزة فهذا أمر مستبعد بعيد المنال ! لأننا نعيش أزمة فكر ـ العقل ـ مغيب و هو مفتاح فهم الأشياء على حقيقتها ، فإذا غاب غابت تلك البشر عن وظيفتها التي من أجل خلقت .. وصل المسلمون إلى أطراف القسطنطينية و معلوم أنها من أكثر المدن في العالم تحصنا ، فيها حصون منيعة قوية و عالية، طلب الجيش المدد فأرسل معاوية جيشا ثانيا بقيادة إبنه يزيد بن معاويــة

  • نورالدين الجزائري

    و هو خليفة . سنة 43 هـ توفي عَمر بن العاص الذي كان يلقب بــ : إذا رأى أمرا مكر له و احتال له ! و يكفي ما جاء في الصحيحين أنه ما كان يرفع عينيه أمام رسول الله صلى الله عليه و سلم حياءا منه ! خطأه الوحيد أنه شارك في الفتنة ... إستمر جيش معاوية شمالا ففي 50 هـ و لأول مرة تتجه الفتوحات إلى عاصمة أكبر دولة على الكرة و هي الروم القسطنطينية ! قال عليه الصلاة و السلام (لتفتحن القسطنطينية و روما ـ هذه لم تفتح بعد ـ ) و فعلا فتحت مدينة هرقل القسطنطينية : إسطنبول حاليا .
    فلا تقارنوا أحبة الإيمان بيــــن

  • نورالدين الجزائري

    لإنهاء الفتنة للأبد ، و بدون طلب معاوية نفسه لها و لكنه قبلها ، فمن حيث الشكل فهي ملك لأن الحديث كان صريحا واضحا في مدة الخلافة بعدد السنين و الأيام... على كل حال: لما هدنت الفتنة و أخمد لهيبها و إتفق عامة المسلمين على خليفة واحد رجع أمر الفتوحات من جديد و قد كانت أغلقت أبوابها من مقتل عثمان. بدأت الجيوش تتحرك تحت إمرة معاوية الذي تولى الحكم في 41 هـ ، ففتح العمورية ـ أنقرة حاليا عاصمة تركيا ـ و العمورية في الأصل كانت قد فتحت زمن عثمان على يد معاوية نفسه لما كان وليا على الشام ، ففتحها مرة ثانية

  • نورالدين الجزائري

    السبعة شهور لاكتمل العدد 30 سنة ! هذه المدة هي خلافة يصدقها الحديث الشريف و مما بعدها يعتبر ملكا ، الإشكال عند أهل العلم من أطلق على مدة معاوية أنها خلافة بالبيعة من الحسن بالرضي في الكوفة ـ ذكرنا هذا سابقا ـ فـج آخر قال : الحديث صريح أن الخلافة دامت 30 سنة فما بعدها يعتبر مُلكا و وفق هذا التحليل يعتبر معاوية أول الملوك و هو إشارة إلى بداية الدولة الأموية ، و الحديث في مسند الإمام أحمد و هو إسناد لابأس به . في حقيقة الأمر أن بيعة معاوية كانت بيعة من نوع خاص ، فيها تنازل الحسن بإرادته و طيب خاطره

  • نورالدين الجزائري

    مقتل الحسن و الحسين و فتوحات معاوية للقسطنطينية و الصين !
    جاء في الحديث الحسن : ( خلافة النبوة 30 سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من شاء ) . و حتى ندرك هل معاوية خليفة أم ملكا فلا بد من حساب محدد هو مدة الخلافة 30 عاما تنقسم إلى :
    خلافة أبي بكر سنتان و 3 أشهر و 10 أيام .
    عمر بن الخطاب 10 سنين و 6 أشهر و 8 أيام .
    مدة خلافة عثمان 11 سنة و 11 شهرا و 9 أيام .
    و مدة عليّ 4 سنين و 9 أشهر و 7 أيام .
    فمجموع مدة الخلفاء الراشدين الأربعة هي: 29 سنة و 4 أشهر و 5 أيام ، و لو أضفنا لها مدة الحسن و هي