الرأي

الفتوى.. بلا صورة ولا صوت!

“المعركة” العائمة في الحبر وفي اللعاب، في الفترة الأخيرة، بين عدد من الذين أعلنوا أنفسهم دعاة ومفتين، وحتى علماء في الجزائر، من دون أن يعرف لهم الناس لا صورة، ولا صوتا، ولا نقول مسارا علميا، ما كانت لتثير الناس لولا أنها بلغت مستوى من الجرأة على إشعال النار، وأكدت أن الصامت على سارق تمرة عليه أن لا يتفاجأ بسرقة الواحة بنخيلها.
والمقصود بكسر الصمت ليس الردع، وإنما بمحاربة المعلومة بالعلم والرأي بالرأي، المدعّم بالحجج، حتى لا يصبح مصير الفتوى كما هو شأنها في بلاد كثيرة، صارت تفتي بحُرمة مشاهدة رسوم “البوكيمون” المتحركة من دون أن تقدم للأطفال شيئا، وتحرّم سياقة السيارة على النساء، ولا تحقق للنساء أي تطوّر تكنولوجي.
ونشعر بالخجل، ونحن نقرأ فتوى لشيخ مغربي يدعى عبد الباري الزمزمي وهو يُحرّم تقديم مرتّب لمدرب كرة أجنبي، وشيخ مصري يدعى سالم الجوهري وهو يطالب بتهديم أبو الهول وإزالة الأهرامات، وشيخ جزائري يدعى عبد الفتاح حمداش، الذي أفتى بإحراق دواوين الشاعر السوري أدونيس، ونشعر بالخجل أكثر عندما نرى تبادل هاته الفتاوى على نطاق واسع، داخل وخارج العالم الإسلامي، ويغيب الردّ العلمي، على الأقل دفاعا عن الإسلام، الذي يبدو أنه يتعرض لنكبة ليس من أعدائه وإنما من المحسوبين على أساس أنهم من أهله.
عندما نقرأ سيرة شيخ الإسلام في الجزائر، عبد الحميد بن باديس، نرى كم كان الرجل، رحّالة لم يترك مدينة ولا قرية إلا وزارها، ومع ذلك لم نقرأ له أكثر من عشر فتاوى في حياته العلمية، التي غرق فيها المجتمع في عهده في الفقر والجهل والاستعمار، ومع ذلك يجد آخرون الجرأة.. بل كل الجرأة، من أجل أن يطلّوا علينا بالفتاوى، التي لم نفهم إلى حد الآن لها معنى فقهيا، في زمن تجرّأ فيه الناس على مختلف المهن والعلوم، وانتقلوا الآن إلى الدين، وبالتحديد إلى الفتوى التي هي أقرب الطرق إلى النار كما جاء في الأثر.
لقد حاول صحافيون كُثر إجراء حوار مع الشيخ فركوس، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، وإذا كانت الصورة محرّمة، حسب بعض الفتاوى، فإن صوت الرجل ليس عورة والكتابة أيضا، ليست مكروهة أو حراما، وإذا كان الرجل يريد أن يعيش في الظل، فذاك شأنه، ولكن أن يقدم فتوى ثم يتوارى عن النقاش والجدل وتبادل الأفكار، فذاك ما صار يحيّر المحيطين من حوله، وليس الذين انتقدوه.
رائع أن يكون للجزائر عالم سلفي، كما كان لها علماء في الدين على مدار التاريخ، وفي مختلف المذاهب، تفتخر بهم، وتعتبرهم مراجع دينية ودنيوية، لكن أن يبقوا من دون صورة ولا صوت في زمن الصورة والصوت، فذاك ما يضعنا في موقف المركب الغارق في الحِبر وفي اللعاب.

مقالات ذات صلة