الرأي

الفخر

تلاحمُ السلطة مع المواطنين، لأجل إنجاح تظاهرة رياضية ببُعدها الإفريقي، التي انطلقت الجمعة، بهذا الاهتمام الشعبي، والسهر لأجل إنجاحه، دليلٌ على أن الحسّ الوطني قد بلغ درجة يمكن البناءُ عليها في مجالات أخرى، أكثر أهمية من لعبة كرة القدم، لأن هذا الاهتمام لم يعنِ فقط المدن الجزائرية الأربع التي استقبلت التظاهرة والمنتخبات الإفريقية، وإنما كل الولايات من دون استثناء، ولم يعنِ فقط حفل افتتاح البطولة وتدشين الملعب الجميل، ولن يعن ما تبقى من مباريات، وإنما الكل يريد انتصارا آخر، وهو فوز الجزائر بشرف احتضان البطولة الإفريقية في سنة 2025، وسيكون حينها الانتصار غير مرتبط بما بنته الدولة من منشئات رياضية، ولا بسبب وزن رجالاتها في عالمي الرياضة والسياسة فقط، وإنما أيضا بسبب ما قدمه وسيقدمه جمهور الكرة من التزام وروح وطنية ممزوجة بأخلاق الضيافة والكرم وتقبُّل أي نتيجة فنية مهما كان لونُها وطعمها.

عندما فازت ألمانيا الغربية بشرف احتضان كأس العالم لكرة القدم لسنة 1974، قضى سكان بون وبرلين الغربية وشتوتغارت وفرانكفورت وميونيخ ثلاثة أيام في الشوارع يحتفلون بالحدث المقبل، بعد عدة سنوات، وكان الجميع مقتنعا بأن ما كان يقدّمه أنصار الفرق الألمانية الشهيرة وعلى رأسها بيارن ميونيخ، من التزام أنصارها بالروح الرياضية وعشقهم للكرة وحضورهم القياسي إلى الملاعب، هو السبب الأول الذي جعل الاتحاد العالمي لكرة القدم يمنح هذا البلد الشرف، وفي المقابل خسرت إنجلترا العديد من محاولاتها لاحتضان كأس العالم في كرة القدم، في ثمانينات الألفية الماضية، بسبب شغب جماهيرها، بالرغم من أنها منبت اللعبة الشعبية، والقوة العالمية الأولى من حيث البنى التحتية الكروية، إذ تمتلك أجمل وأكبر ملاعب الكرة في العالم.

اهتمامُ الجزائريين ببطولة إفريقية عادية، اهتمامٌ بوطنهم، وبسمعة هذا البلد، فهم يدركون بأن رحلة المجد تبدأ بخطوة، ويصرُّون على أن يجعلوها خطوة الأمل، ويحرسون على أن يشتركوا في إنجاحها والفوز بتنظيم البطولة الأقوى في القارة السمراء، تزامنا مع عودة الجزائر وبقوة في المشهد الإفريقي في الدبلوماسية والاقتصاد، وتكون النموذج الإفريقي لبلد كبير في كل شيء، بما في ذلك احتضان الأفارقة في عالم الرياضة في أجواء حضارية.

ما يؤكد نجاح البطولة من أول يوم من المنافسة ومن حفل الافتتاح، هو هذا “الجنون” الذي أصاب بعض الأطراف الخارجية المجاورة للجزائر، من الذين صاروا يقضون ساعات اليوم الأربعة والعشرين في تتبُّع كيف استقبل الجزائريون ضيوفهم وما وفّروا لهم من مبيت ومأكل ومرْكبات نقل، وكيف شيَّدوا بنيانهم، فصاروا يتميّزون غيضا وأصبحت تغريداتهم تثير الشفقة على أصحابها وتؤشر على أن هذا السّعار هو دليلٌ على أنك حققت النجاح لبلدك والفخر.

مقالات ذات صلة