الفرص الضائعة لبناء العقد الفريد
منذ الاستقلال فوتت علينا النخب السياسية أربع فرص حقيقية لصياغة عقد اجتماعي يحمي حقوق المواطن واستمرارية الدولة، ويحسم لجيل أو أكثر قضايا الهوية وطبيعة نظام الحكم المستقر، المنفتح على التداول السلمي للسلطة بمؤسسات دستورية وتوزيع متوازن للسلطات، يمتنع معه قيام الاستبداد تحت أي ظرف، وتتوفر فرص تحقيق التراكم بين الأجيال. الاستحقاق التشريعي القادم قد يوفر الفرصة الخامسة لإخراج البلاد من حالة الجمود السياسي المستدام منذ عقدين من الزمن.
الدعوة التي وجهها أمس الأول رئيس الجمهورية إلى المواطنين وحثهم فيها على المشاركة الواسعة في الاستحقاق التشريعي القادم، تخفي خشية السلطة من حصول عزوف واسع للناخبين عن المشاركة، سوف تكون له تداعيات على مصداقية الاستحقاق، وشرعية البرلمان القادم، وقدرته على ملء الفراغ الحاصل في آخر سنتين من عمر العهدة الرئاسية، مع ما يشاع عن إخفاق مراكز القوة داخل النظام حتى الآن، في تحقيق التوافق المطلوب حول الخلافة.
تدخل الرئيس في ما يشبه الحملة لصالح تحقيق مشاركة واسعة، يكون قد أملته ما يصله من تقارير حول فتور اهتمام الرأي العام بمفردات الاستحقاق، وفشل الأحزاب التقليدية والجديدة في تحريك الشارع واستقطاب اهتمامه، كما أملته حاجة السلطة هذه المرة إلى برلمان غير فاقد للمشروعية، يعول عليه في استكمال الإصلاحات بإدخال تعديلات واسعة على الدستور، ويخشى أن يفوت على البلاد مرة أخرى فرصة الخروج من حالة الجمود التي طبعت الحياة السياسية منذ توقيف المسار الانتخابي مطلع التسعينيات من القرن الماضي .
.
انقلاب “حزب الثوار” على ثورة الشعب
فللمرة الثالثة أو الرابعة منذ الاستقلال تنجح نخبنا، في السلطة كما في المعارضة، في تفويت الفرص على البلاد لصياغة ترسانة من الإصلاحات تكفل بناء دولة مؤسسات، مؤهلة للتداول السلمي على السلطة، وتسمح لكل جيل بالبناء على ما يرثه من الجيل السابق، بدل الاضطرار في كل مرة إلى الهدم وإعادة البناء بالكلف التي يعرفها الجميع.
الفرصة الأولى أضعناها في اليوم التالي للاستقلال، حين انقلبت النخبة الغالبة في جبهة التحرير وجيش التحرير على مضمون بيان أول نوفمبر، ومقررات مؤتمر الصومام، وأحبطت محاولة بناء نظام تعددي بدستور يصدر عن مجلس تأسيسي، حتى مع اعتبار أن الظروف المأسوية التي ورثناها عن الحقبة الاستعمارية من جهة، وتفكك القوى السياسية الموروثة عن الحركة الوطنية في عملية الانصهار التي أنجزتها ثورة التحرير، كانت تميل إلى تفضيل بناء دولة مركزية قوية بمركز قوة محوري تحتله المؤسسة العسكرية، وامتداداتها داخل جبهة التحرير.
.
الربيع الذي لم يولد في خريف أكتوبر
الفرصة الثانية جاءت في أعقاب وفاة الرئيس الراحل بومدين، حين برز إلى السطح في سياق البحث عن خليفة، صراع بين جناح محافظ كان ما يزال يؤمن بإصلاح النظام الموروث عن انقلاب 19 جوان، وجناح إصلاحي وصف وقتها بالليبرالي، كان يرى في اللحظة فرصة متاحة للدخول في إصلاحات تنقل البلد من نظام الحزب الواحد، والاقتصاد الموجه إلى نظام تعددي باقتصاد حر منفتح، غير أن الحسم جاء من المؤسسة العسكرية التي توافقت على ترشيح الرئيس بن جديد، وإطالة عمر نظام الحزب الواحد، إلى غاية قيام شروط الانقلاب الناعم المبرمج من داخل أروقة النظام في أكتوبر 88.
الفرصة الثالثة، توفرت مع أحداث أكتوبر، التي شكلت سابقة ومرجعية لما يسمى اليوم بالربيع العربي، انتهت باعتماد دستور 88، والدخول في تعددية حزبية وإعلامية غير مسبوقة في العالم العربي، أطلقت الحريات السياسية والإعلامية، وحولت وجهة الاقتصاد نحو اقتصاد السوق.
وكانت هذه أفضل وأهم فرصة أتيحت للبلد للدخول في مسار ديمقراطي تعددي قابل للتطور، فرصة اشتركت السلطة وقوى العارضة بجميع أطيافها في هدرها، قبل جر البلاد إلى فتنة صماء، واقتتال دموي كاد يفكك الدولة الوطنية ويخرب البلد.
.
الإصلاح الذي يخيف السلطة والمعارضة
الفرصة الرابعة لتمرير إصلاح سياسي يخرج البلاد من تبعات سنوات الجمر ومن التعددية العرجاء، ظهرت في أعقاب رئاسيات 2004، التي منحت رئيس الجمهورية زخما شعبيا غير مسبوق، كان سيساعده على تمرير مشروع تعديل الدستور، والانتقال بالبلد من نظام شبه رئاسي لا سلطة فيه للبرلمان، إلى نظام رئاسي صرف، تتحدد فيه صلاحيات الجهاز التنفيذي، مع توضيح الدور التشريعي والرقابي للبرلمان.
الفرصة أضاعها الرئيس، بما أظهره من تردد أمام مقاومة القوى المعارضة من داخل النظام نفسه لنظام رئاسي صرف، كانت تخشى أن يفقدها ما توفر لها من سبل التأثير على الجهاز التنفيذي والإدارات الكبرى، ومكونات المشهد السياسي البرلماني الضعيفة والمستضعفة. كما واجه مشروع تعديل الدستور معارضة شرسة من قبل أحزاب التحالف الرئاسي ومن أحزاب المعارضة، التي لم تدرك وقتها أن الانتقال إلى نظام رئاسي سوف يمنحها فرصة التحرر من نظام الولاءات لمراكز السلطة، ويفك الارتباط مع مراكز القوة داخل النظام، ويمنحها هامشا أوسع في الحركة والمبادرة على مستوى التشريع، كما في توسيع دورها الرقابي على الجهاز التنفيذي.
.
إصلاح الساسة حتى تصلح السياسة؟
ومع الاعتراف بالنوايا الكيدية التي لم يتخلص منها النظام، حتى بعد أن اضطر إلى الانفتاح في التسعينيات، فإن جانبا من المسؤولية تتحمله الأحزاب الكبرى التي نشطت في المشهد السياسي منذ بداية التعددية، وعلى رأسها الجبهات الثلاث، جبهة الإنقاذ، وجبهة التحرير، وجبهة القوى الاشتراكية، التي لم تنتبه وقتها إلى أن الدخول في أول استحقاق تشريعي، لبلد خرج للتو من نظام الحزب الواحد، كان يحتاج إلى توافق واسع يخترق حدود الأسر السياسية والعقائدية، ورأيناها تتجه نحوه في وقت متأخر في لقاء سانت ايجيديو، بعد أن كانت القوى المعادية للمسار الديمقراطي قد أفلحت في تخريب المسار وتوقيفه.
في يناير الماضي طوينا عقدين من الزمن على توقيف المسار الانتخابي، وخرجنا من فتنة صماء عمياء دموية أعادتنا عشرين سنة إلى الخلف، وهدرت الكثير من مقدرات البلاد البشرية والمادية، فضلا عن تعطيل الحياة السياسية في جميع أوجهها، وتجريف القوى السياسية التي ولدت مع التعددية، لنجد أنفسنا اليوم أمام هياكل حزبية خاوية على عروشها بلا طعم ولا روح، تدخل الاستحقاق الحالي بنفس الذهنية التي ساهمت وقتها في إحباط وتوقيف التجربة التعددية.
.
أحزاب من الهواة لبرلمان بلا هوية
فالحديث المبكر عند بعض رموز القوى الإسلامية حول توقع حصول تسونامي إسلامي، ينتكس بنا إلى أجواء خريف 1991 حتى وإن كانت هذه التوقعات محض تمنيات ليس إلا، تريد إسقاط ما حصل في تونس ومصر على الواقع في الجزائر الذي شهد متغيرات كثيرة، ليست بالضرورة في صالح تجدد التحشيد الشعبي الهائل الذي توفر لجبهة الإنقاذ.
وعلى نفس المستوى، نرى أن قيادات أحزاب الائتلاف الرئاسي تدخل الاستحقاق، لا كأحزاب شريكة في الحكم يفترض أنها تدافع عن حصيلة برلمانية وحكومية، أو حتى تفاجئ الناخب برؤية إصلاحية تستشرف بكل مسؤولية تداعيات الربيع العربي، بل رأيناها، كمن يغرق في فنجان، وهي تتعارك مع تناقضاتها الداخلية لإخراج قوائم تستجيب لنظام المحاصصة التقليدي الذي أضيفت إليه حصة الجنس اللطيف.
حتى الآن، وقبل شهرين فقط عن قيام موعد الاستحقاق، فإن الناخب الذي تعود على مقاطعة الاستحقاقات الأخيرة لأكثر من سبب، حتى مع غياب جهة تدعو إليها، لم يسمع من النخبة السياسية جملة واحدة مفيدة تشجعه على المشاركة، وتحثه على منح النخبة فرصة جديدة.
.
الدجل ببرامج حكم ممنوعة من الصرف
فالمواطن المدعو لانتخاب برلمان جديد، يراد له أن يتولى إعادة صياغة دستور البلاد، لا يعلم شيئا عن موقف الأحزاب بجميع مشاربها من المضامين الدستورية التي تحتاج إلى تعديل وإصلاح، باستثناء ذلك التوافق العجيب حول الانتقال بالبلاد إلى نظام برلماني صرف، وفي الحد الأدنى الإبقاء على النظام شبه الرئاسي الحالي، مع إدخال تعديلات توسع من صلاحيات البرلمان في تشكيل الحكومة.
وإلى أن يحصل هذا التغيير في الدستور، فإن الأحزاب المشاركة في الاستحقاق ليست مطالبة بالدخول في مزايدات، لا طائل من ورائها، حول إدارة الشأن العام وقيادة الاقتصاد، وترقية الخدمات، وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، لأن البرلمان القادم سوف يكون نسخة طبق الأصل للبرلمان المنتهية عهدته، في ظل أحكام الدستور الحالي، ومع رئيس جمهورية تصرف طوال عهدتين ونصف العهدة، وكأنه يرأس دولة يحكمها نظام رئاسي، ولا شيء في سلوكه يشير إلى أنه سوف يغير موقفه من البرلمان، أو يتنازل عن صلاحياته التي لم يقيدها الدستور، لا في تشكيل وقيادة الجهاز التنفيذي، ولا في اللجوء إلى التشريع بالمراسيم حين تقتضي الضرورة.
وأيا كانت نتائج الاستحقاق الحالي، فإن البرلمان القادم سوف يبقى خارج لعبة الحكم، ليس للأغلبية فيه من خيار سوى الدخول في تحالف رئاسي جديد مجبر على تنفيذ برنامج الرئيس، أو الدخول في مواجهة مع الرئيس قد تنتهي بسرعة إلى حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة، بكل ما في ذلك من مخاطر على الاستقرار السياسي في البلاد.
.
الربيع الناعم لإخراج البلاد من الجمود
غير أنه، ومع وجود هذه المعوقات الكثيرة للعمل البرلماني، بحكم طبيعة الدستور الحالي، فإن البرلمان القادم يمتلك فرصة لا تعوض من أجل استعادة المبادرة السياسية من جهة، وإقناع المواطن الناخب بواجب دعم المسار الديمقراطي بمشاركته الواسعة في الاستحقاق القادم، ذلك أن أبرز ما جاءت به الإصلاحات الأخيرة هو تكليف البرلمان القادم بمهمة إعادة صياغة الدستور.
فنحن أمام فرصة حقيقية تتاح لأول مرة للبرلمان، شريطة أن تكون الطبقة السياسية في الموعد، بأن تبحث داخل صفوفها عن وفاق واسع، تمرر بموجبه في الأسبوع الأول لدورة البرلمان الأولى تشريعا تؤسس بموجبه لجنة دستورية تأسيسية ينتخبها البرلمان، ويخولها صلاحيات واسعة لإعادة صياغة دستور جديد للبلاد، تمثل فيها مختلف القوى السياسية والاجتماعية المشكلة للرأي الغالب في المجتمع من خارج البرلمان، وتعمل بحرية كاملة، ليس فقط من جهة الجهاز التنفيذي، بل حتى من جهة البرلمان الذي يفترض أن ينصرف إلى مهمة التشريع والرقابة على الجهاز التنفيذي في ما بقي من العهدة الرئاسية.
.
الإجماع المغيب لبناء العقد الاجتماعي
فالجزائر التي حرمت منذ الاستقلال من دستور ينتج عن إجماع وطني حقيقي، لا يمكنها أن تفوت هذه الفرصة لبناء عقد اجتماعي جديد، قادر على الصمود لثلاثة أو أربعة عقود أو أكثر، مؤمن ضد عبث التعديلات الظرفية، ويضمن في الحد الأدنى الفصل في ثلاثة أمور أساسية:
ألأول: الفصل في طبيعة نظام الحكم، بعد دراسة معمقة لتبعات الحسم لصالح الصيغة الرئاسية أو البرلمانية مع مراعاة حاجة البلاد إلى قدر من الاستقرار في مؤسسات الدولة الضامن الوحيد لبناء الدولة وتحقيق التنمية المستدامة,
الثاني: الفصل في قضايا الهوية بما يضمن تحييدها من المنافسات والصراع على الحكم.
الثالث: تحرير الإدارة من التبعية للسلطة التنفيذية بتوسيع مبدأ الفصل بين السلطات ليشمل الفصل الضروري بين الجهاز الإجرائي السياسي ممثلا في الحكومة وإدارات الدولة التي يفترض أن تكون على الدوام مستعدة لخدمة الحكومة والمواطن بإملاءات القانون لا بالأوامر التعسفية لمالك القرار السياسي.