الرأي

الفرنسية لم تعد «IN»… لكن التاريخ لا يتقاعد

لعلى بشطولة
  • 173
  • 0

كان زمنٌ في الجزائر يكفي فيه أن تقول effectivement مرتين، وأن تضع voilà في نهاية الجملة، وأن تعتني بحرف الـ«R» كما لو أنه قطعة أثرية مسجلة لدى اليونسكو، حتى ترتفع قيمتك الاجتماعية فجأة. كان بالإمكان أن تقول كلامًا عاديًا جدًا، لكن إذا قلته بالفرنسية وبالنبرة المناسبة بدا كأنه أطروحة في السوربون. ولنكن منصفين: لم يكن هذا ذنب من تعلم الفرنسية. بالنسبة إلى أجيال كاملة، كانت هذه اللغة أحد الجسور الأساسية نحو الجامعة والإدارة والعلم والعالم. من أتقنها لم يخن شيئًا؛ استعمل ببساطة المفتاح الذي وُضع بين يديه. المشكلة لم تكن في المعرفة، بل بدأت حين تحوّل المفتاح إلى شارة، والمعرفة إلى امتياز، واللغة إلى طريقة لقياس الناس بدل أن تكون وسيلة للتفاهم بينهم.

وأنا لا أكتب هذا من موقع من يكره الفرنسية. بالعكس. أنا من جيل تعلّم بها، وقرأ بها، وعمل بها، وكتب بها، واكتشف من خلالها كتبًا وأفكارًا وأشخاصًا ما كان ليصل إليهم بسهولة بغيرها. الفرنسية بالنسبة إليّ ليست لغة غريبة عن الذاكرة، بل جزء من مسار كامل. لذلك لا أتحدث عن محوها ولا عن الانتقام منها. أتحدث فقط عن وضعها في مكانها الطبيعي.

ويكفي أحيانًا أن أصل إلى الجزائر العاصمة لكي أشعر بأن المسألة أعمق من مجرد لغة. أدخل فندقًا أو مطعمًا أو متجرًا أو مقهى، فأسمع كثيرًا أول كلمة: Bonjour. ليست «السلام عليكم»، ولا «صباح الخير». Bonjour تلقائية، مهنية، أنيقة، تكاد تبدو جزءًا من الزي الرسمي للاستقبال، كأن العاصمة الجزائرية مطالبة بأن تُبرز جواز سفرها اللغوي قبل أن تقدم لك فنجان قهوة. وأعترف أن هذا المشهد يستوقفني في كل مرة. ليس لأن كلمة Bonjour تزعجني؛ أنا نفسي أستعملها. ما يستوقفني هو سؤال أبسط: لماذا، بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، ما تزال الفرنسية في بعض فضاءات عاصمتنا تُعتبر تلقائيًا اللغة الأكثر «طبيعية» للمهنية والأناقة الاجتماعية؟ جرّبوا أحيانًا أن تجيبوا ببساطة: «صباح الخير». تحدث لحظة صغيرة، تكاد تكون كوميدية، كأن الجميع تذكّر فجأة أننا بالفعل… في الجزائر. وهذا لا يعني طبعًا أن الجزائر العاصمة «مدينة فرنسية»، بل يكشف شيئًا أكثر دقة: الاحتلال يستطيع أن يغادر الأرض ويترك وراءه ترتيبًا غير مكتوب للغات. الجنود يرحلون أسرع من العادات، والأعلام تنزل أسرع من الامتيازات الرمزية. وليست المشكلة في كلمة Bonjour المسكينة؛ فهي لم تطلب كل هذه المسؤولية التاريخية. السؤال هو: متى تحولت كلمة أجنبية من مجرد تحية إلى لباس اجتماعي للأناقة؟ فاللغة قد تفقد إمبراطوريتها، لكنها تستطيع أن تحتفظ طويلًا… بمكتب الاستقبال.

لكن العالم تغيّر. الجيل الجديد لا يتوقف طويلًا عند الـbonjourrr. هو يسأل سؤالًا أبرد: Do you speak English? ثم لا ينتظر الجواب طويلًا. يفتح حاسوبه، يدخل منصة علمية، يتعلم البرمجة، يستعمل الذكاء الاصطناعي، يتابع محاضرة من جامعة أمريكية، ويتواصل مع مهندس في الهند أو باحث في كوريا. وأرى في ذلك شيئًا طبيعيًا أكثر مما أراه تهديدًا. لكل جيل أدواته. جيلي فُتحت أمامه أبواب كثيرة بالفرنسية، وجيل اليوم تُفتح أمامه أبواب أوسع بالإنجليزية. الخطأ ليس أن تتغير المفاتيح؛ الخطأ أن نصرّ على إقفال الباب لأننا أحببنا المفتاح القديم. وبينما كنا نتجادل منذ ستين عامًا حول ما إذا كانت الفرنسية «غنيمة حرب» أم «بقايا استعمار»، غيّر العالم اللغة وواصل السير من دون أن يطلب رأينا.

والأمر لم يعد مجرد انطباع. ابتداءً من الدخول المدرسي 2026-2027، يصل الإنجليزي إلى التلميذ الجزائري في السنة الثالثة ابتدائي، بينما يبدأ الفرنسي في السنة الرابعة، وفي الجامعة خرجت بالفعل أولى الدفعات المكوّنة باللغة الإنجليزية في تخصصات كاملة. لم تسقط باريس، ولم يحترق موليير، ولم يتوقف برج إيفل عن العمل. فقط تغيّر ترتيب المقاعد. فالإنجليزية في الجزائر لم تعد موضة، ولا حركة تجميلية في برنامج دراسي، ولا صفعة رمزية لباريس. إنها ضرورة استراتيجية: لغة مركزية في العلم والتكنولوجيا والبحث والاقتصاد الرقمي والتواصل الأكاديمي العالمي. الإنجليزية ليست هوية بديلة؛ إنها بنية تحتية. لا نحتاج إلى حب شكسبير كي نتعلمها، كما لا نحتاج إلى اعتناق فلسفة اليابان كي نقود «تويوتا».

أما الفرنسية، فليطمئن أهلها. لا داعي لاستدعاء الحماية المدنية. لا أحد يحرق موليير، ولا أحد يصادر فولتير عند الحدود. ستبقى الفرنسية لغة ثقافة وأدب وفكر وذاكرة، ونافذة مهمة على جزء من تاريخنا الحديث، ولغة يفكر ويكتب ويبدع بها ملايين الجزائريين بكل شرعية. وأنا واحد ممن لا يريدون لهذه اللغة أن تختفي. لكنني، في الوقت نفسه، لا أرى أي سبب لكي تبقى جالسة وحدها في صدر المجلس، كأن بقية اللغات جاءت متأخرة إلى العرس. الذي يجب أن ينتهي ليس الفرنسية، بل امتيازها؛ تلك الفكرة التي جعلت من إتقان لغة أجنبية شهادة تفوق اجتماعي، ومن عدم إتقانها نقصًا يحتاج صاحبه إلى تفسير نفسه. الفرنسية ستبقى، لكنها ستجلس مع بقية اللغات. وهذا، بالنسبة إلى من اعتاد مقصورة الدرجة الأولى، قد يبدو أحيانًا مثل سقوط إمبراطورية.

ثم نصل إلى الجملة التي لا تتقاعد أبدًا: «لكن فرنسا بنت الجزائر». وهنا يبدأ المسرح الحقيقي. نعم، الاستعمار بنى طرقًا ومباني وموانئ ومؤسسات. الإمبراطوريات تبني؛ فهي تحتاج إلى طرق كي تتحرك، وموانئ كي تشحن، ومكاتب كي تحكم، وثكنات كي تبقى. لكن منذ متى أصبح البناء شهادة ميلاد؟ ومنذ متى صار المقاول والدًا للمنزل؟ هذه هي الحيلة القديمة: أن تتحول البنية التحتية إلى نسب، والطريق إلى شهادة أبوة، والشرفة إلى حجة سيادة.

خذوا الحامة مثلًا. الإدارة الاستعمارية أنشأت سنة 1832 «حديقة التجارب» ككيان نباتي وإداري رسمي، ثم نظمتها ووسعتها وشقت مسالكها وأضافت إليها المنشآت والأصناف. هذا جزء من التاريخ ولا يحتاج إلى إنكار. لكن ماذا كان هناك قبل توقيع القرار؟ كان هناك الحامة. المكان كان هناك، والأرض كانت هناك، والجزائر العاصمة كانت هناك، والجزائر كانت هناك. القرار الإداري أنشأ مؤسسة؛ لم يخلق الأرض التي قامت عليها، ولم يخترع تاريخ المكان، وبالتأكيد لم ينشئ البلد. الفرق بسيط، لكنه يزعج الروايات الكسولة. من يرمم بيتك لا يصبح جدّك، ومن يشق طريقًا في أرضك لا يصبح مخترع الأرض.

وهذه بالنسبة إليّ ليست مسألة أكاديمية باردة. عندما أسمع أن فرنسا «صنعت الجزائر»، لا أشعر أن المشكلة تتعلق بالماضي وحده، بل بالكرامة أيضًا. لأن معنى العبارة، إذا أخذناها إلى نهايتها، أن أجيالًا كاملة عاشت هنا قبل 1830 لم تكن تاريخًا بما يكفي، وأن أرضًا عمرها آلاف السنين احتاجت إلى ختم إداري أوروبي لكي تبدأ في الوجود. وهذا، ببساطة، غير مقبول.

الجزائر العاصمة لم تولد سنة 1830. تاريخ موقعها أقدم من الوجود الفرنسي بقرون طويلة، بل بآلاف السنين. تعاقبت على هذه الأرض طبقات أمازيغية ومتوسطية وفينيقية ورومانية وإسلامية وزيرية وعثمانية، ومدن وسلطات ومجتمعات وتجارة وثقافات وذاكرة، قبل أن ترى أول قبعة عسكرية فرنسية شاطئ سيدي فرج. الاستعمار لم يصل إلى فراغ؛ وصل إلى بلد. وهنا تكمن أخطر حيلة في الرواية الاستعمارية: لم يكن المطلوب احتلال الأرض فقط، بل احتلال نقطة البداية نفسها. أن تصبح 1830 سنة الصفر: ما قبلها ضباب وما بعدها تاريخ، ما قبلها قبائل وما بعدها دولة، ما قبلها فوضى وما بعدها عمران. وهكذا تتحول لحظة الغزو، في الرواية الاستعمارية، إلى لحظة ميلاد، ثم يُطلب من صاحب البيت أن يشكر من اقتحمه لأنه غيّر الستائر. فالاستعمار لا يكتفي أحيانًا بأخذ الأرض؛ يحاول أن يأخذ الماضي أيضًا، لأن من يملك نقطة البداية يملك نصف الرواية.

لكن ما يهمني أكثر من الرد على هذه الرواية هو ألا نقع نحن في الفخ المعاكس. لا نحتاج إلى إنكار ما بناه الاستعمار لكي نثبت أن الجزائر كانت موجودة قبله، ولا إلى هدم شرفة فرنسية لكي نستعيد نوميديا، ولا إلى كراهية لغة حتى نتصالح مع لغاتنا. التاريخ لا يحتاج إلى صراخ حين تكون الذاكرة واثقة من نفسها.

والحضارة الأوروبية الحديثة بنت وأضافت الكثير، وهذا لا ينكره عاقل، لكنها هي نفسها لم تبدأ من فراغ. قبل قرون، كانت الحضارة الإسلامية، في أزمنة ازدهارها، تترجم وتناقش وتطور وتضيف في الجبر والطب والبصريات والفلك والفلسفة والخرائط ومؤسسات المعرفة، مستفيدة بدورها من الإرث اليوناني والفارسي والهندي وغيره. الخوارزمي لم ينتظر وصاية فكرية ليعرف أن للأرقام مستقبلًا، وابن الهيثم لم يحتج إلى تأشيرة «شنغن» كي يدرس الضوء. الحضارات الكبرى لا تسقط من السماء كاملة التجهيز؛ ترث، تترجم، تنتقد، تضيف، ثم تنقل. وحدها الحضارة حين يصيبها الغرور تتصرف وكأنها اخترعت الكتابة والعجلة والضوء، وربما الإنسان نفسه.

ولهذا فإن عبارة «فرنسا صنعت الجزائر» ليست فقط مبالغة؛ إنها قلب للتاريخ. فرنسا تركت في الجزائر مباني وطرقًا ومؤسسات، نعم، لكنها لم تترك لنا الجزائر عند رحيلها. الجزائر هي التي كانت هناك عندما وصلت فرنسا.

وبينما كنا بعد الاستقلال نتجادل حول الفرنسية والعربية، كان الجزائري يعيش حياته بلغته اليومية: يضحك بها، يحب بها، يغضب بها، يفاوض بها، يربي أبناءه بها، ثم يدخل الإدارة فيكتشف أن اللغة التي يدير بها حياته كلها لا تزال تنتظر تصريح دخول رسميًا. إنجاز بيروقراطي يستحق جائزة: شعب يتحدث بطلاقة، لكن لغته تقف عند الاستقبال.

وربما لهذا السبب تحديدًا أرى أن مصالحتنا اللغوية يجب ألا تقوم على انتصار لغة على أخرى. لقد عشنا طويلًا بما يكفي لنعرف أن اللغة التي نحبها لا تحتاج إلى عدو كي تكون عظيمة. ربما حان الوقت لأن نصبح بالغين لغويًا: العربية لما تحمله من عمق ثقافي وحضاري، والأمازيغية لما تمثله من جذر وطني أصيل، ودارجتنا ولهجاتنا لما نعيشه فعلًا، والفرنسية لما تمنحه من ثقافة ومعرفة وذاكرة، والإنجليزية لما تفتحه من أبواب العلم والتكنولوجيا والعالم.

المشكلة لم تكن يومًا في كثرة اللغات، بل في تحويل إحداها إلى طبقة اجتماعية. تعلموا الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والصينية والكورية إن استطعتم؛ المعرفة لا تحتاج إلى جمارك. لكن لا تجعلوا من لغة أجنبية ميزانًا لكرامة الإنسان، ولا من لغة أخرى مشروع انتقام. اللغة أداة، والهوية أعمق من القاموس، والتاريخ أقدم من الإدارة الاستعمارية.

لهذا لا نحتاج إلى جنازة للفرنسية. نحتاج فقط إلى إعادة ترتيب المقاعد: الفرنسية ستبقى في المكتبة، والإنجليزية ستأخذ مكانًا أكبر في المختبر، والجزائري، بكل لغاته، سيبقى صاحب البيت.

أما الـbonjourrr التاريخي، فلا خوف عليه. يمكنه الاحتفاظ بالـ«R»؛ قد يحتاجه يومًا لنطق كلمة: retirement.

French is not dead. It is simply no longer the dress code.

أما الجزائر، فلم تكن يومًا تحتاج إلى لغة أجنبية كي تثبت أنها موجودة. كانت هنا قبلها، وستبقى بعدها. وأنا، شخصيًا، لا أريد جزائر تتكلم لغة واحدة؛ أريد جزائر تعرف من تكون، ثم تتكلم مع العالم بكل اللغات التي تستطيع.

مقالات ذات صلة