الرأي

الفرنسيون ممثلون فاشلون

يقول المسرحي الإنجليزي شكسبير: “الحياة مسرح شاسع، وكل منّا يلعب دوره ثم يغادر الخشبة”، ويبدو أن الفرنسيين الذين تعلقوا بالمسرح منذ القرن الخامس عشر، قد ابتلعوا هاته المقولة وراحوا يطبقونها، ولكن بأقل كفاءة من الإنجليز والأمريكان، بدليل أن السينما والمسرح والمسلسلات الدرامية الفرنسية بقيت دون ما قدمته بقية الشعوب، بما فيها العربية والإفريقية.

وحتى لو كذبنا ما صارت تتداوله المواقع الفرنسية، التي كانت إلى وقت قريب مصادر خبر مهمة للإعلام والساسة الفرنسيين، عن كون الأخوين كواشي قتلا في سوريا وبأن ما حدث في مجلة “شارلي إيبدو” مجرد مسرحية بائسة لا تُضحك ولا تثير، فإن ما حدث سيبقى لغزا بالنسبة إلى الفرنسيين، فما بالك ببقية شعوب العالم، الذين اقتنعوا بأن الفرنسيين قلّدوا فيلما أمريكيا قديما، تماما كما كان يفعل ممثلهم الشهير “آلان ديلان” في تقليده للمثل الأمريكي الشهير “أنطوني كوين”، فبقي الممثل الأمريكي في الذاكرة بالرغم من وفاته، ونسي عالم الفن الممثل الفرنسي بالرغم من أنه مازال على قيد الحياة.

والذين اكتشفوا بأن حكاية انهيار برجي مدينة نيويورك وتورّط أسامة بن لادن في التفجيرات فيها الكثير من نقاط الظل، بعد أكثر من عشر سنوات، بدّدوا في عشر دقائق ما رسمه السيناريو الفرنسي البائس، لحكاية “شارلي إيبدو” والأخوين كواشي، بسبب نقاط الظل القاتمة التي جعلت الفيلم أبعد عن الحقيقة من أفلام الكارتون الأمريكية الشهيرة.

وإذا كان الأمريكيون قد حوّلوا “محنتهم” إلى غزو لكل بلاد العالم، فغيّروا خارطة منطقة الخليج بالقوة، وعاثوا في تاريخ العراق فسادا، وأجبروا العالم على أن ينضم إلى صفهم ويرمي في مكانهم، كما يحدث في أفلام “الويسترن”، فإن الفرنسيين لم ينالوا سوى بعض الأحاسيس الدافئة والدموع العذبة، كما يحدث مع عرض مسرحية “سيرانو دي برجراك” العاطفية، فنال الأمريكيون كل الأوسكارات التي نحتوها بفنانيهم، ولم تنل فرنسا سوى بعض العزاء الذي لن يطول أكثر من أربعين يوما.

لا جدال في أن هجوما إرهابيا قد طال مجلة “شارلي إيبدو” في قلب باريس، ولا ريب في أن الضحايا هم من أقلام المجلة الأسبوعية الساخرة، وقد يكون الفاعل الأخوين كواشي أو على الأقل من أنصار التيارات الإسلامية المتشددة، ولكن الذي يكذب في بعض التفاصيل، يجعل من حق المتلقي أن يرفض الحادثة جملة وتفصيلا، أو لا يتلفت إليها، ولا يهتم بتداعياتها، وإذا كان أكبر أعداء المسلمين والعرب زعيم الجبهة الوطنية جون ماري لوبين، قد اعتبر ما حدث عملا مخابراتيا فاشلا، فكيف نلوم من طوى صفحة الحادثة والتفت إلى شأن آخر.

نعود إلى عالم المسرح فقد كان الفيلسوف الفرنسي فولتير أول فنان أساء إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خلال مسرحيته “التعصب” في عام 1742 التي لم يترك فيها صفة سيئة إلا وقذف بها خير خلق الله، ومازالت المسرحية تعرض إلى حد الآن، وعندما عاد في سنواته الأخيرة بعد أن عرف الإسلام وخط كتابا بعنوان “بحث في العادات” ليعترف بخطئه، بقي الكتاب على هامش المكتبة والمسرح الفرنسيين، في بلد يطبق مقولة شكسبير الإنجليزي، ويعتقد بجزء من فكر الفرنسي فولتير.

مقالات ذات صلة