الفكر الأحادي الذي يمنع بناء الاتحاد المغاربي
عندما تستدعى نخبة من المغاربة لندوة فكرية في دوحة قطر، تبحث في معوقات بناء التحاد المغاربي، لتقف عند حدود تفسير الماء بالماء وفق مسلمات العقل العربي وحيد البعد، فلابد للعقلاء من المغاربة أن يبحثوا في التجارب الوحدوية الناجحة من حولهم لكشف المعوقات الموضوعية، قبل تحديد الخطوات العملية لبناء اتحاد مغاربي متدرج، لا نخوف النخب الحاكمة المستبدة الغيورة على مواقعها ومصالحها,
في عملية مقاولة من الباطن لصالح سيد مجهول، احتضنت الدوحة القطرية ملتقى دوليا نظمه مركز الدراسات التابع للجزيرة منتصف هذا الشهر، وخصصه لبحث أحوال المغرب العربي في سياق التحولات الإقليمية الراهنة، كما جاء في عنوان الندوة التي دعي إليها باحثون، وسياسيون، ورموز من المجتمع المدني المغاربي، من بينهم رؤساء حكومات سابقين، على رأسهم السيد بن بيتور رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق.
المتابع لبعض جلسات الندوة يكون قد استوقفه إلحاح المنظمين على سؤالين سيطرا على الندوة: الأول تساءل عن نصيب نزاع الصحراء الغربية في تعطيل مسار بناء الاتحاد المغاربي؟ والثاني بحث في الأسباب التي كانت وراء تزاور شمس الربيع العربي عن إقليم الجزائر وهل تكون معوقا إضافيا لبناء الإتحاد المغاربي؟
.
تقول بالباطل في اتحاد لم يولد بعد
لست بصدد البحث في نوايا منظمي الندوة، أو في دوافع من شارك في الندوة من الأكاديميين والسياسيين، لولا أن منهج التفكير الذي اشتغلت به الندوة، هو ذاته المنهج الذي يتعامل به الفكر العربي مع قضاياه المعاصرة، بمقاربة ذهنية يهيمن عليها الفكر ذي البعد الواحد، الذي يتعامل مع قضاياه المعقدة والمركبة، بقراءة مشاهده المتداخلة فوق خريطة مسطحة من بعد واحد، وإلا ما كان لعاقل منصف، تابع سياق بناء الاتحاد المغاربي، ليدعي أن ملف نزاع الصحراء هو من عطل بناء الاتحاد المغاربي، لأن نزاع الصحراء سابق لمسار بناء الاتحاد المغاربي، أو يدعي أن تأخر تفتح أزهار الربيع العربي في الجزائر سوف يمنع قيام الاتحاد، لأن التعثر كان قائما زمن سيادة أنظمة شمولية في الجزائر، تونس، ليبيا، المغرب وموريتانيا.
“منهج التفكير الذي يشتغل به من يبحث اليوم في معوقات بناء الاتحاد المغاربي، هو ذاته المنهج الذي يتعامل به الفكر العربي مع قضاياه المعاصرة، بمقاربة ذهنية يهيمن عليها الفكر ذي البعد الواحد، الذي يتعامل مع القضايا المعقدة والمركبة، بقراءة مشاهدها المتداخلة فوق خريطة مسطحة ببعد واحد”
ومع ذلك، فإنه لا يمكن لعاقل أن يبرئ النظام الجزائري من مسؤولية تعطيل قطار الاتحاد، شأنه شأن بقية الأنظمة في دول المغرب العبربي، قل وبعد ظهور نزاع الصحراء، وقبل وبعد حلول ربيع الشعوب ببلاد المغرب الإسلامي.
واقع الحال أننا اليوم أبعد ما نكون عن فرصة إعادة تحريك قطار الاتحاد المغاربي، حتى لو كتب للإقليم أن يبتكر حلا توافقيا للنزاع الصحراوي، أو كتب له أن تلتحق الجزائر وموريتانيا بقطار الربيع العربي، لأن المعوقات الحقيقية لبناء الاتحاد المغاربي سوف يعاد استنساخها مع الأنظمة البديلة، التي ترى مثل سلفها في الاتحاد كيانا ينتقص من صلاحيات وامتيازات النخب الحاكمة، ولأن بناء الاتحاد المغاربي يحتاج فيما يحتاج إليه، إلى إعلاء مبادئ وسلوك ديموقراطية حقيقية وحكم راشد، وتغليب المصالح المشتركة لدول الإقليم على مصالح الأنظمة والنخب الحاكمة، كما يحتاج إلى مصارحة للشعوب بتبعات بناء اتحاد مغاربي بين دول متفاوتة في ما أنعم الله به عليها من ثروات، ويحتاج في المقام الأول إلى نخبة سياسية جديدة، قادرة على استشراف العوائد الحقيقية للاتحاد المغاربي حتى لا ترى فيه ما قد يحمله من تهديد لمصالحها الفئوية الضيقة كما فعلت النخب الأوروبية.
.
بسمارك المستبد يوحد شتات الألمان
أفضل نموذج يمكن أن نقتدي به ليس بالضرورة الاتحاد الأوروبي، الذي أبقى على الجزء الأهم من صلاحيات الدول القطرية الأعضاء، ويحمله اليوم جانب من الشعوب الأوروبية المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية، بل عندنا مثال أفضل لعملية التوحيد بالاندماج الكامل والناجح في التجربة الألمانية الحديثة، التي أعادت بناء ألمانيا الموحدة في زمن قياسي، لكن مع استعداد نخبها وشعبها لدفع ثمن الوحدة، والصبر والتحمل لكثير من الامتحانات التي رافقت عملية التوحيد والدمج.
فالخيار في تجربة الوحدة الألمانية كان واضحا، لا لبس فيه، معلوم للنخب وللشعب الواحد في القطرين: وهو بناء كيان قومي جديد، ينصهر داخله كيان ألمانيا الشرقية مع كيان ألمانيا الاتحادية، والخروج بدولة موحدة، لا تنازعها كيانات تحتية في الصلاحيات، وقد قبلت النخب السياسية والنخب القائدة للاقتصاد في البلدين بتبعات الدمج على مصالحهم، كما قبل المواطن في ألمانيا الاتحادية، الأكثر تنمية وثراء، بتحمل جملة من الإجراءات التقشفية وبواجب اقتسام الثروة مع أشقائهم في الشرقية.
المثال الألماني يعنينا أكثر من غيره، في سياق اكتشاف الأسباب الحقيقية التي أعاقت بناء الاتحاد المغاربي، كما أعاقت من قبل تجارب وحدوية عربية كثيرة، لأن الشعب الألماني مثل شعوبنا جاهد كثيرا، وعلى مراحل من تاريخه، من أجل تحقيق الوحدة، على الأقل في مرحلتين من تاريخه: فبعد تفكك إمبراطورية شارل الخامس، جمعت أجزاء ألمانيا تحت مسمى الإمبراطورية الجرمانية الرومانية من عدد كبير من المقاطعات، كان يقودها أمراء مثل أمراء الأندلس في عصر الانحطاط، وقد ظلت على حالها حتى بداية الحروب النابليونية، التي ساعدت على استفاقة الشعور القومي الألماني، الذي وجد في قيادة بسمارك رجل الدولة الذي سوف يقود الشعب الألماني نحو الوحدة في “الرايخت الثاني” في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، صمد حتى نهاية الحرب العالمية الأولى التي انتهت بانتزاع المنتصرين لأجزاء من ألمانيا، وكان ذلك سببا في اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي أفضت بدورها إلى تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية، وسقوط القطرين تحت تبعية هي أقرب إلى الاحتلال.
.
الفرص الضائعة أمام الوحدة
هذا التاريخ المضطرب الذي يشبه تاريخ معظم الشعوب العربية، ومنها شعوب المغرب العربي، لم يدفع بالألمان إلى اليأس من فرص إعادة توحيد الشعب الأماني: جغرافيا، وسياسيا، وبشريا، ليس بدافع الشعور القومي هذه المرة، ولكن باقتناص ذكي وعقلاني لأول فرصة أتيحت للشعب الألماني بعد تفكك المعسكر الشرقي، وانهيار الاتحاد السوفييتي، انتهت بإعادة دمج الشعب المقسم في دولة موحدة وقطر واحد.
“المعوقات الموضوعية التي كانت وراء إخفاق القادة المغاربة مطلع الثمانينيات ما تزال قائمة، يأتي على رأسها غياب الاستعداد عند النخب الحاكمة للدخول في تجربة وحدوية صادقة، تحتاج إلى: القبول بلعبة الديمقراطية داخل القطر الواحد، ثم الاحتكام مجددا إلى نفس القواعد الديمقراطية في بناء مؤسسات الاتحاد، وثالثا القدرة على تحييد المشاكل البينية الثنائية”
فرص مماثلة أتيحت لشعوب المغرب العربي ولنخبها، سواء بعد تفكك المنظومة الاستعمارية بداية الستينيات من القرن الماضي، أو الآن في الوقت الذي انشغل فيه الغرب بهموم أخرى عن حرصه التقليدي على تعويق مسارات الوحدة في العالم العربي، بل رأيناه يزايد على الأنظمة المغاربية بدعوتها إلى تحريك قطار الاتحاد المعاربي بدافع ظهور مصالح تكون قد بدت له بعد حين، لكن المعوقات الموضوعية التي كانت وراء إخفاق القادة المغاربة مطلع الثمانينيات ما تزال قائمة، يأتي على رأسها غياب الاستعداد عند النخب الحاكمة للدخول في تجربة وحدوية صادقة، تحتاج فيما تحتاج إليه في المقام الأول: القبول بلعبة الديمقراطية، المرفوضة أصلا داخل كل قطر، ثم الاحتكام مجددا إلى نفس القواعد الديمقراطية في بناء مؤسسات الاتحاد، وثالثا القدرة على تحييد المشاكل البينية الثنائية، مثل النزاع الصحراوي، فضلا عن مخلفات الحقبة التاريخية الاستعمارية، وإعادة إحياء أطماع توسعية مستوردة من التاريخ البعيد، وهي معوقات ثانوية قياسا مع عقدة النخب الحاكمة تجاه بناء كيان سياسي وحدوي فوقي، تخشى النخب الحاكمة أن يجردها من بعض صلاحياتها وامتيازاتها.
.
استحالة الوحدة بين أنظمة مستبدة
التجارب العربية الوحدوية القليلة والفاشلة تكشف لنا استحالة بناء كيانات وحدوية مع أنظمة لم يكن لها، وليس لها أي استعداد لمشاركة شعوبها في إدارة الشأن العام، فكيف تقبل أن تدخل في كيان اتحادي قد تؤول فيه السلطة ولواحقها النفعية لنخب منافسة من أقطار أخرى,
والحال ما كان ينبغي لنا أن نصدق أسطورة الاتحاد المغاربي مع أنظمة كانت ولا تزال ترفض مبدأ المشاركة مع شعوبها، فكيف تقبل أن تشاركها في السلطة نظم حكم تقف على طرفي نقيض، إذا كان الاتحاد الأوروبي، ومع تجربته الثرية في الديمقراطية، ومشاركة الشعوب في إدارة الشأن العام، قد واجه صعوبات لا تحصى في الانتقال بالاتحاد الأوروبي إلى مستوى يقترب على الأقل من الصيغة الكونفدرالية، وبناء مؤسسات حكم مشتركة في الدفاع والسياسة الخارجية، وهو يتعثر حتى في الإدارة المشتركة لعملته الموحدة ولأدوات إدارة النقد؟
الإقرار بوجود معوقات موضوعية كثيرة أمام بناء الاتحاد المغاربي، بعيدا عن توجيه التهمة لهذا النظام أو ذاك، أو تحميل الشعب الصحراوي ومأساته مسؤولية حرمان الشعوب المغاربية من الوحدة، هو البداية الصحيحة، والتفكير السليم، الذي قد يسمح لشعوبنا بمقاربة مسار الوحدة كما فعل الألمان، بالاشتغال أكثر على تفعيل إصلاحات سياسية داخل كل قطر، تعيد للشعوب حقها في إدارة الشأن العام دون إقصاء، ثم التفكير في مسار وحدوي متدرج، لا يقترب من الهويات القطرية، ولا من الشؤون الداخلية السيادية لكل قطر، وفي المقام الثاني الاجتهاد على مستوى الرأي العام بغاية توعية الشعوب بالتبعات الحقيقية لأي عمل وحدوي، وإعدادها لتقبل الأعباء، والرضا باقتسام المغارم قبل المغانم، وأخيرا التوافق على مشروع تنموي قاطر لاقتصاديات دول المغرب العربي، يمكن تنفيذه دون الحاجة إلى الذهاب بعيدا في مسار نقل صلاحيات الدول القطرية لكيان الاتحاد المغاربي,
.
شمس العرب قد تشرق من المغرب
وفي هذا السياق قد يكون من المفيد تذكير الحالمين بالاتحاد المغاربي، أن التوافق على مشروع تنموي قاطر، يحتاج إلى التعرف على النوافذ القليلة المتبقية للدخول في تنافس مجدي داخل التقسيم العالمي للعمل والسوق، لنكتشف أن المغرب العربي، الذي يشكل خمس مساحة القارة الإفريقية، وثلث تعداد شعوب العالم العربي، وله مخزون نفطي وغازي معتبر، وساحل يمتد لقرابة ثمانية آلاف كيلومتر على المتوسط والأطلسي، وله فوق ذلك ثروة بشرية هائلة، وموقع جيوستراتيجي منفتح على ثلاث قارات، هو مرشح بالضرورة للفوز بمقام محمود في إعادة انتشار الاقتصاد العالمي، وتوجهه تحت الضرورة نحو اقتصاد الطاقات البديلة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، التي قد نتخذ من صناعتها ومن الفلاحة الصحراوية الحديثة، محركا وقاطرة لمجموع اقتصاديات المغرب العربي، قد تمنح مشروع الإتحاد المغاربي ما وفره اتفاق الفحم والصلب للاتحاد الأوروبي.