الرأي

الفوز والانتصار.. الخسارة والانهزام..

حفيظ دراجي
  • 9295
  • 35

مع اقتراب موعد نهائيات كأس أمم افريقيا لكرة القدم في جنوب افريقيا تتصاعد حمى الكرة والمنتخب عندنا بشكل ملحوظ فننسى المشاكل والهموم والمتاعب وكل الذي يطبخ عندنا في السر والعلن في شؤون أكثر أهمية من الكرة والمنتخب، ونفسح المجال لتغذية الطموحات والأحلام والآمال والتشاؤم أو التفاؤل المفرط لدرجة تختلط فيها علينا معاني مصطلحات الفوز والانتصار، ومعاني الخسارة والانهزام دون وعي أو تمييز بين هذا وذاك، خاصة لدى أبنائنا عندما يتعاملون مع المنتخب وكأنه رمز للتألق والتفوق أو دليل فشل وتخلف في ظل الفراغ الذي يعيشونه وحاجتهم الماسة إلى السعادة والفرح والاعتزاز بالانتماء، فتجدهم يعتبرون الخسارة بمثابة الهزيمة والكارثة من شدة التأثر، ويعتبرون الفوز بمثابة انتصار ما بعده انتصار بسبب غياب التتويجات والإنجازات في مجالات أخرى، ومن شدة غرور أبنائنا وتفاؤلهم وتعلقهم بلعبة لا يعرف الكثير منهم بأن الخسارة فيها ليست بالضرورة انهزاما، والفوز من جهته لا يعتبر انتصارا يعوض إخفاقاتنا ويحل كل مشاكلنا ومتاعبنا في الحياة..

الكرة عندنا والمنتخب بالخصوص أخذ في السنوات الأخيرة أبعادا أكثر من حجمه ومن طاقة لاعبيه وطاقمه الفني الذي تفطن للأمر وراح يتحدث قبل السفر عن الأهداف والطموحات بكل حذر تجنبا للصدمة بعد ما لاحظ ذلك التعلق الفريد من نوعه بالمنتخب الذي أصبحنا نحمله مسؤولية تحقيق التفوق والتألق الذي غاب عن الكثير من مجالات الحياة الأخرى، وصارت خسارته بمثابة هزيمة للبلد والمجتمع ككل تتحطم اثره المعنويات ونتحالف كلنا لانتقاده وتحطيمه في وقت لا نحرك ساكنا أمام كل الاخفاقات الأخرى التي تحدث في مجالات حيوية تتوفر على مكانات التفوق والتألق.

بعض صحفنا ووسائل اعلامنا تحشد الاعلاميين والفنيين والمحللين لتبيع الأوهام وتسير مع التيار وتفرط في المدح أو الانتقاد على صدر صفحاتها وبرامجها إلى درجة وصف فوز أو تأهل بسيط بالانتصار العظيم، ووصف خسارة أو اقصاء بأنه انهزام كارثي يجب أن نحزن له ونعيد النظر في اختيارات المدربين واللاعبين، وكأننا كنا نشارك في نهائيات كأسي العالم وأمم افريقيا ونفوز كل مرة، أو كأن نتائج المنتخب هي المعيار الذي يحدد مدى تطور الكرة عندنا وتطور المجتمع كله!!

صحيح لم يعد لدينا ما يجمعنا ويفرحنا ويسعدنا سوى المنتخب، وصحيح ان جماهيرنا صارت متعلقة أكثر بمنتخبها ومن الصعب الحد من حماسها وتعلقها، ولكن التعامل مع الفوز والخسارة في الكرة هي ثقافة لا نملكها للأسف ولا نسعى لنشرها في الأوساط الجماهيرية رغم أننا نشاهد كل يوم عبر شاشات التلفزيون في مختلف المنافسات كيف تفوز وتخسر النوادي والمنتخبات في مختلف المسابقات، وكيف يتعامل اعلامها وجمهورها مع الحالتين بكل حكمة وواقعية ودون أن تتعدى انعكاساتها حدود الأخلاق والروح الرياضية والاحترام والتفهم والتقدير للجهد والاجتهاد قبل أي شيء..

لقد حان الوقت ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين لكي ننتقل إلى مستوى آخر في التعامل مع الفرح والحزن، والتعامل مع الفوز والخسارة، والصعود والنزول في لعبة كرة القدم، ولا نعتبرها انتصارا أو انهزاما يقلب كياننا، بل محطات في حياتنا تعزز فينا الثقة وتزرع فينا ثقافة تقديس الجهد والاجتهاد من أجل تحقيق المزيد من الإنجازات، ولا تزرع فينا الروح الانهزامية ولا تنعكس سلبا على معنوياتنا ومعنويات أبنائنا والأجيال الصاعدة الممارسة والعاشقة على حد سواء..

مقالات ذات صلة