-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
فتيات يتحولن إلى "ملكات جمال" بكبسة زر.. ومختصون يحذرون

“الفيلتر”.. الجمال المزيف يكتسح شبكات التواصل

نادية سليماني
  • 1257
  • 0
“الفيلتر”.. الجمال المزيف يكتسح شبكات التواصل

تعدّى إدمان المراهقين والشباب من الجنسيْن بالتجميل الاصطناعي حدّ الهوس بل تعدّاه إلى الجنون، لدرجة صارت ” فلاتر” التجميل الذّكية، أمر يستحيل الاستغناء عنه في المحادثات الإلكترونية والصّور، وهو ما أدخل الرجال في دوامة صعّبت عليهم موضوع التفريق بين الجمال الطبيعي والاصطناعي المزيف، بل سمعنا عن عرسان ألغوا ارتباطهم مع نساء بعد اكتشاف أشكالهنّ الحقيقية. فإلى أيّ حدّ قد تؤثر فلاتر التجميل على نفسية المدمنين عليها ؟

أثّر التطور التكنولوجي الحاصل على جميع مناحي حياة البشر، حتى على أشكالهم، بعدما أدمنت كثير من النساء وبعض الرجال فلاتر التجميل الذكية، الموجودة عبر جميع العديد من تطبيقات التواصل والمحادثات الإلكترونية، بحيث تتحول المرأة بمجرد نقرة على الشاشة إلى ملكة جمال في ثوان، وباتت الفلاتر تتمتع بشعبية خيالية بين رواد التواصل الاجتماعي، وخاصة مستخدمي تطبيق “سنابشات” و”إنستغرام” و”تيكتوك”.

بن بريك: 70 بالمائة من مدمني هذه التقنيات يعانون من “احتقار الذات”

واستغلت الفتيات هذه الفلاتر لاستعمالها في حياتهن اليومية “الرقمية”، لإخفاء بعض عيوب جمالهن، بحسب اعتقادهن. بينما يعتبر المؤثرون الرقميون في الجزائر من الجنسين، من أكثر المهووسين باستخدام فلاتر التجميل، لدرجة نصاب بالذهول عندما نشاهد وجوههم الحقيقية عبر القنوات التلفزيونية أو عند مصادفتهم في الشوارع، وكأنهم أشخاص آخرون.

ملكة جمال على الأنترنت.. والواقع شيء آخر..

ففي قصة تظهر مدى الخداع الذي بات يتعرض لها بعض الرجال، بسبب هوس النساء بالفلاتر، التي سردها صاحبها عبر حسابه على منصة “أنستغرام”، مُحذرا الشباب من الوقوع في الفخ نفسه..

يقول المدعو “مراد” وهو مؤثر رقمي شاب من الجزائر العاصمة، إنه تعرف على فتاة من الغرب الجزائري عبر منصة إلكترونية، وأصبحا يتبادلان الحديث عبر تطبيق إلكتروني، وكان الشاب يرى في تلك المرأة فتاة أحلامه بعدما وجد فيها جميع معايير الجمال التي يتمناها في زوجته المستقبلية، وعندما صارحها بنيته لقائها تمهيدا لخطبتها.. تحول يوم اللقاء إلى كابوس حقيقي لـ”مراد” بعدما شاهد أمامه امرأة بجمال بسيط ومختلفة كليا عن فتاة الإنترنت. وعندما شعرت المعنية بصدمة عريس المستقبل، قالت له: “واشبيك كنت دايْرة شويّة فلتر برْك.. جابلي ربّي ما تبدلتش بزاف..!”، ليرد عليها: “كنتِ ملكة جمال.. ولكن رقميا فقط”.

زرمان: استقبلت العديد من الحالات المرضية بسبب “هوس التجميل”

وقصة أخرى سردتها المحامية والأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية، فريدة عبري، تصب في السياق نفسه، بحيث انخدع رجل كان ينوي الزواج من فتاة، بجمالها الحقيقي المختلف كليا عن جمالها الرقمي ما جعله يطلقها بعد أسابيع قليلة من الزواج متهما إياها بالتدليس والخداع.. ومثل هذه القصص أصبحت متكررة في مجتمعنا، بعدما باتت جُلّ النساء جميلات ومتشابهات بفعل الفلاتر الذكية، فجميعهن يملكن أنفا صغيرة منحوتة وعيونا كبيرة وبشرة صافية وشفاها منفوخة.

إخفاء العيوب لرفع نسبة المشاهدات..!

وتكشف فتيات تحدثت معهن ” الشروق” استحالة استغنائهن عن الفلاتر في صورهن، وصارحتنا إحداهن تبلغ 28 سنة، بأنها بدأت في استعمال الفلتر منذ سن 23 سنة، ولا أحد من متابعيها عبر ” أنستغرام” يعرف جمالها الحقيقي، قائلة: “الأمر بدأ بتسلية فقط، لكنني لاحقا أدمنت استعمال الفلتر، وصرتُ أرى نفسي بشعة من دونه”، وأخرى ترى أن فلتر التجميل، ساعدتها في إخفاء عيوب بشرتها، من حبوب وتجاعيد الوجه، وندوب وبقع وهالات سوداء تحت العيون، ما أكسبها ثقة في نفسها..!

وكثير من المراهقين والشباب من الجنسين يلجؤون لفلاتر التجميل، بحثا عن أكبر عدد من الإعجابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الظاهر تمتد للوثائق الرسمية

ولاحظنا أيضا ظاهرة إدمان الفتيات استعمال فلاتر التجميل في أثناء تصوير أنفسهن عبر تقنية السيلفي، فقلة فقطا من تترك شكلها طبيعيا عند أخذ صورة، أما الغالبية فيلجأن للفلتر لتعديل قوامهن وتغيير وجوههن وشعرهن. فكثير من صور الأشخاص التي نراها على الإنترنت معدلة.

وحتى أصحاب محلات التصوير باتوا يواجهون طلبات بتعديل صور زبائنهم عند إخراجها، وكشف “رابح” صاحب أستوديو تصوير في القبة، أن غالبية النساء الأقل من 30 سنة واللواتي يقوم بتصويرهن، يطلبن منه تعديل صورهن حتى ولو كانت تخص بطاقة التعريف الوطنية ومنهم أيضا شباب، وقال: “أكثر طلباتهم إظهار البشرة صافية وبيضاء أكثر، تنحيف الوجه الممتلئ وزيادة حجم الخدود الضعيفة”، وبحسب قوله، هذه الظاهرة لم تكن موجود لدى زبائنه إذا عدنا للخلف 20 سنة، مؤكدا أن كثيرا من الأشخاص باتوا لا يتقبلون أشكالهم، بسبب تأثير المنصات التواصل الاجتماعي وانتشار الجمال المزيف.

هوس الفلاتر يؤدّي إلى إدمان عمليات التجميل

وترى المختصة في علم النفس الاجتماعي، شهرزاد بن بريك في تصريح لـ”الشروق”، بأنه منذ ظهور فلاتر الوجه التي تضفي جمالا ” نموذجيا” دون عيوب على مستخدميها بمنصات التواصل الاجتماعي، فقد كثير من الأشخاص الثقة في جمالهم الطبيعي وخاصة النساء، بل تعدّاه إلى درجة الدخول في حالات اكتئاب وكره للذات، ويمكن حتى الوصول للانتحار بعد تعرض الشخص للتنمر بعد اكتشاف شكله الحقيقي.

وبحسب بن بريك، هنالك مخاطر حقيقية من ظاهرة إدمان التجميل الافتراضي، خاصة على نفسية المراهقين، فكثير من الفتيات يرفضن أن يُنظر إليهن أو أن يفتحن الكاميرا في أي محادثة إلكترونية دون استعمال فلاتر التجميل، ما يعني أنهن أصبحن مريضات فلتر، “وهذا ما يهددهن بالدخول في دوامة اضطراب نفسي يسمى “ديسمورفوبيا”، وهو عدم رضا الشخص عن نفسه ومظهره”، على حدّ قولها، وأيضا بات بعض الأشخاص وخاصة المؤثرين على الإنترنت، يعتبرون أن تمتعهم بالجمال الكامل والنموذجي سيزيد من عدد متابعيهم ومن تعليقات الإعجاب، وبالتالي، يرفع من شهرتهم ومداخليهم المادية، وهو ما يجعلهم يدخلون في حالات اكتئاب شديدة، عندما يحصلون على إعجابات ضئيلة، وكثير منهم يتردّدون على عيادات نفسية.

“اضطراب التشوه الجسمي”.. حالة نفسية خطيرة

وكشفت محدثتنا، أنها تعرف نساء وبسبب إدمانهن على الفلاتر، قرّرن الخضوع لعمليات تجميل حقيقية كلفتهن أموالا طائلة، حتى يحافظن على الجمال الذي منحته لهن مؤقتا الفلاتر، فأردن جعل الفلتر حقيقيا، رغم عدم حاجتهن لهذه العمليات التجميلية. وتعرف هذه الحالة في الطب النفسي بـ “اضطراب التشوه الجسمي”.

وتأسّفت المختصّة لكون مشرط الجرّاح ليس مثل الفلتر المؤقت الذي نتحكّم فيه، فأي خطأ بسيط في العملية قد يُحول الباحثات عن الجمال إلى مُشوّهات.

وأضافت بن بريك، بأنه من بين أكثر الأمراض النفسية التي تهدد مدمني فلاتر التجميل، إصابتهم بالقلق المستمر، بسبب دخولهم في صراع نفسي بين ذاتهم الحقيقية والشخصية الرقمية الوهمية، مؤكدة أن الانتقال بين الشخصية الرقمية والحقيقية ” أمر في منتهى التعقيد”.

وذكرت، أن المهووسين بالتجميل الافتراضي، يراودهم إحساس باحتقار الذات وعدم الرضا عن النفس، لدرجة أن هذين الاضطرابيْن النفسيّين زادا معدل انتشارها بنسبة 70 بالمائة بين المُراهقين والشباب تزامنا مع ظهور التقنيات المتطورة.

على الأولياء تعليم أطفالهم تقبل أشكالهم الحقيقية

ومن جهته، كشف المختص في علم النفس، حسام زرمان أن استقبل في عيادته الكثير من الحالات تخص مراهقين، عندما تم إخضاعهم لجلسات تحليل نفسي، تم اكتشاف معاناتهم من أزمة هوية، وتراهم يكثرون من الحديث عن مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف: “يظهرون لي صورهم على السوشل ميديا كدليل على التميز، فأكتشف أن جميع صورهم فيها فلتر..!”.

وأضاف روزمان في تصريح للشروق، أن مشكلة عدم تقبل الصورة الجسمية لدى المراهقين الشباب تحولت إلى مشكلة عالمية، وسببها الرئيسي هو مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا، وجود دراسات كثيرة في علم النفس والطب العقلي، اكتشفت وجود مشكلة كبرى في عدم تقبل الجسم، وزادت تقنية “الفلتر ” التجميلي، الأمر سوءا، لأنه “يصنع لصاحبه ثقة وهمية أو إعجابا وهميا.. فيعيش في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل وفي الواقع الحقيقي بشكل آخر”.

وبالتالي، بحسب الدكتور زرمان، الانجذاب نحو الفلتر هو عدم قناعة بالصورة الجسمية وعدم ثقة بالجمال الطبيعي، مؤكدا أن عدم قدرة المراهق والشاب من الجنسين، على عدم تقبل الذات وظهور هستيريا ومحاولة لفت الانتباه، مع الشعور بضرورة التميز عن الغير، هي أهم عوامل أو محددات ظهور الاكتئاب لدى المراهق الذي سقط في شباك “الفيلتر”.

ويؤكد المختص في علم النفس، أنه وبحكم اختصاصه تحدث مع بعض هؤلاء الأشخاص المهووسين بالفيلتر، “فيخبرونني بأن عليهم تغيير صورتهم ولو عن طريق التطبيقات الإلكترونية ما جعلهم يدمنون على استخدامه يوميا، ويسبب لهم أزمة في قبول الذات، فيشعرون بحزن واكتئاب ويقطعون علاقتهم بالواقع، خوفا من اكتشاف أشكالهم الحقيقية، لأن الإنسان بطبعه يبحث دوما عن الكمال في كل شيء”، على حد قوله، وأضاف: “ما يجهله كثيرون، أن الشخص يرى نفسه أسوأ بخمسة أضعاف مما يراه غيره، في وقت يمكن للغير أن يرانا أجمل بخمسة أضعاف مما نرى نحن أنفسنا.”.

تلميذة تدمن استعمال مساحيق التجميل بسبب الفلتر

وذكر لنا الدكتور حسام زرمان، أنه ٱستقبل مرة والدة تشكو حالة ابنتها، التي لم تعد تستطيع مواجهة الواقع بسبب إدمانها على الفلتر، الذي أصبحت مشهورة به بين أصدقائها الرقميين، فتحولت إلى فتاة انطوائية، لا تخرج كثيرا من المنزل لتتجنب رؤية شكلها الحقيقي، وفي مدرستها تكثر من مساحيق التجميل رغم أنها ليست في سن تسمح لها بوضع المكياج، كما أصبحت تعاني من عدم قدرتها على التواصل مع الغير، إلا عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، “وهذا هو قمة الإحباط”.

ولذلك، يشدد المختص على الأولياء ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي، على ضرورة تعليم أطفالنا ومنذ الصغر، تقبل أنفسهم مهما كانت أشكالهم، وتحسيسهم دوما بأنهم أفضل بصورتهم الحقيقية والمكتملة، وأن نبعدهم عن العالم الافتراضي على قدر ٱستطاعتنا.

وختم المختص، أن كثيرا من الأشخاص وبسبب الفلاتر والسوشل ميديا، باتوا يعانون من متلازمة الهوس بعمليات التجميل، بحيث لا تجدهم راضون على أشكالهم مهما أجروا من عمليات تجميل، وهو ما نراه حاليا حاصلا لبعض المشاهير، والذين تشوهوا من كثرة عمليات التجميل المتتالية، “فالخلل لديهم هو في صورتهم الداخلية المريضة وليس في شكلهم الخارجي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!