-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الحلقة الرابعة

القدس منظومة الحلول والبدائل!!

صالح عوض
  • 1998
  • 0
القدس منظومة الحلول والبدائل!!

في هذه المرحلة الثالثة لمسيرة الأمة وحضور القدس تقدمت الحلول والبدائل في جو الهزيمة والفوضى إلا أن عجلة السقوط تواصلت لتطال كل مكونات الأمة وقوتها وصولا إلى إغلاق سجل عالميتنا العربية الاسلامية الأولى.. ولقد كانت القرون الأخيرة بثقلها وضغطها كفيلة بأن تقيد طموحات الأمة بواقع التخلف والعجز والخروج عن سياق النشاط الانساني إلى ارتكاسات جاهلية مقيتة، وكأننا خارج حركة التاريخ وتدافعها..

ولذا عندما حلت بنا الصدمة العنيفة بنكبة فلسطين وفرض التجزئة تسارع الفعل العربي لمواجهة الظروف المستجدة، ولكنه تحرك مقيدا بالجهل وردات الفعل النفسية وغياب رؤية منهجية للمواجهة، وكانت المحاولة بعد المحاولة مزيدا من شد الحبل لخنق البقية من الطموح وهدر الامكانات..

وفي حمى التعجل والفوضى والاضطراب تقدمت طلائع الأمة عبر تيارات كبرى للإجابة على التحدي الجديد الذي هز أعصابها وضعضع وجدانها.. فكان أن تشعب التفكير على مدارس رئيسية أربع في الساحة العربية، منهما مدرستان رسميتان وقد يكون لبعض أجزائهما امتدادات شعبية..

الأولى: التيار القومي بكياناته السياسية المتنافرة، والذي تأطر بأفكار اشتراكية لم تنشأ عن خيارات واعية، بل مجرد خيارات سياسوية اختصرته العسكرتاريا  لتتغطى به للانقضاض على سواها من أصحاب الأفكار أو الأوضاع السياسية الأخرى، وفي ظل هذا الخيار تم التنصل من الهوية الحضارية للأمة، كما تم وضع أولويات تفترض السكون وتجميد المبادرة حتى تتم انجازات ذاتية.. وليس فقط تم تسجيل عجز هذا التيار في التصدي للكيان الصهيوني، حيث في مواجهته تمكن العدو الصهيوني من احتلال كل فلسطين وسيناء والجولان، بل إن عجزه امتد فيما يخص أفكاره الرئيسية في وحدة الأقاليم العربية وانجاز العدالة الاجتماعية فتجلت النتيجة في تكريس الانفصال والتخلف والفقر.. 

والثانية: تيار الأنظمة المحافظة التقليدية التي رأت في اصحاب الرؤى الأخرى مهددا لها وخطرا على وجودها وعلى طبيعة نظامها السياسي.. وفي ظل توزع مناطق النفوذ الأجنبي والولاءات للخارج وجدت هذه الأنظمة نفسها في سياق التحالف مع الغرب الرأسمالي الذي أوجد الكيان الصهيوني كقاعدة متقدمة له في المنطقة، وظلت هذه الأنظمة بعيدة عن أية محاولة للاستقلال الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي مما أوجد محاور سياسية في الأمة متصارعة.. 

والمدرسة الثالثة: الحركة الاسلامية التي انطلقت في 1928 فمع أن لها وزن واضح وفعال في مفاصل المجتمع العربي، وهي انطلقت من لحظة سقوط الخلافة العثمانية 1924 في محاولة لاسترجاع المرجعية السياسية للأمة وتكون هي القاعدة الثقافية الشعبية العريضة إلا أنها لم تهتد إلى رؤية سياسية واستراتيجية محددة المعالم لتحقيق هدفها، ولم تستطع تحديد سلم أهداف لها برنامجها ومراحله، وظلت معركتها تتراوح المكان النفسي ذاته لاستعادة الثقة بالنفس باستحضار مشاهد تاريخية معينة مثالية منفردة مقتطعة بأساليب بدائية، وكان المقصود هو إفشاء مظاهر الأصالة من خلال عمل تربوي جزئي وتثقيفي شعاراتي لايرقى إلى إدراك مفاعيل السياسة المحلية والاقيلمية والدولية وخلفياتها وترابطها ومعيارها، والقوى الفاعلة في تشكيل حركة المجتمع والدولة، وكيف يتم التحرك بين جزئياتها، وكيفية التواصل على قاعدة وعي العلاقات الدولية، ولا إلى إدراك حاجات الناس ودورها في التغيير، وفي أي اتجاه، وظل همها الأساس هو الوصول إلى الحكم  فيم لا تستند في جنوحها نحو الغلبة إلى تطور منطقي وطبيعي مع الزمن في المكان المناسب والامكانات الملائمة في فهم العملية السياسية والمطلوب منها.. كما لم تستوعب أي المراحل التاريخية تجتاحها فهي وإن لم تتورط في التكفير إلا أنها مارست مضامينه فهي ترفض الدولة ولا ترضى بالتداخل في المجتمع، ولا تستكين إلى أواصره بل هي مسكونة بقيم الجماعة وروابطها وولائها وسلوكها حتى لو اصطدم مع مصلحة الأمة وقضاياها المركزية.. فيما تكون العلاقة بينها والدولة علاقة متوترة باطنية غير قابلة للتداخل قائمة على الشك والريبة، وهناك مايكفي من عزلة شعورية تحول دون انخراطها في الشأن العام بيسر، فجاءت الأداءات هزيلة مرتبكة تحركت على دائرة الظاهر، ولم تقدم رؤية رصينة لأي باب من الأبواب المعلنة في مطالب الناس وكانت بهذا أبعد ماتكون عن تقديم شيء حقيقي في الملف الفلسطيني.. فعلى مدار قرن بكامله لا يمكن اعتبار ما قدمته الحركة الاسلامية العربية ذا قيمة في معركة فلسطين فهي وجدت نفسها منخرطة في صراعات داخلية مع التيارات الفكرية المناوئة أو الأنظمة العسكرتارية ولم تستطع رؤية القضايا في إطار عام يضع لكل قضية حجمها وأولويتها فكان النزف المستمر لها خارج ساحة المعركة الحقيقية وكان العدو الاستعماري يرى في نسيج هذه الأفكار فرصته، بحيث لم يتوان في إغراء البعض بالبعض الأخر وفي إطار لعبة كبيرة كان أخرها الربيع العربي الذي أغرق الحركة الاسلامية في التجربة الفاشلة وأغرق المجتمعات في مستنقع الدم، فكان أن تحرك الجميع على خشبة مسرح يؤدي كل دوره الذي هيأه له العدو الاستراتيجي.

الرابعة: الحركة الوطنية الفلسطينية وهي انطلقت لمواجهة العدو الصهيوني بالمقاومة المسلحة ومرت بتجارب مرة عدة مع النظام العربي والوضع الدولي نتيجة ما اعترى وعيها إزاء معادلة الصراع وأطرافه وجوهره، فلقد كانت السطحية سمة بارزة في تصورها لطبيعة الصراع وجوهره، حيث لم يكن من المعقول مواجهة مرحلة حضارية بكاملها بجهود طلائع من الشباب الفلسطينيين الواقعين تحت التشتت والحصار وأن أي نظرية كفاح تغلق على هذا المعنى يعني بوضوح أنها تتجه بأبناء فلسطين إلى مزيد من التهلكة والضياع.. فقضية فلسطين هي بالجوهر قضية صراع حضاري بين منهجين وإرادتين يقف العرب والمسلمون في طرف وتقف القوى الاستعمارية الغاشمة في طرف أخر.. فليس أقل من أن تنخرط قوى مركزية في الأمة خلف المقاومة الفلسطينية وتمشي بإيقاع مشترك معها وأن تتمتع هذه القوى بحد أدنى من الشراكة الاستراتيجية في الوعي والممارسة والاعداد.. وها نحن بعد عشرات السنين من الكفاح نكتشف بأن مقولات عديدة أطلقناها في يوم من الأيام كانت قاتلة لفعلنا وجهدنا، الأمر الذي يدعونا بوضوح إلى إعادة ترتيب أفكارنا وأشيائنا وقوانا العربية والفلسطينية في طليعتها.. وهذا لا يعني أبدا الانصراف عن المقاومة حتى تتوفر هذه الشروط، ولكنه يعني أن لا نعتبر مقاومة الشعب الفلسطيني نهاية المطاف في المعركة مع الكيان الصهيوني ومن يقف خلفه، ولا أن نحملها تاريخيا مالا تستطيع هي انجازه مهما كانت رغبتها وإصرارها، فالمعارك تحسم بالشروط والأسباب.. على الشعب الفلسطيني أن يستمر في كفاحه مشاغلا العدو في حرب طويلة الأمد، دونما تفكير بأن هناك حلولا يمكن انجازها بمعزل عن تحرك قوى جوهرية في الأمة، لأن هذا التفكير كما أنه لن يحقق شيئا لفلسطين فهو يحرم الأمة ردحا من الزمن من أهمية الإحساس بحالة الصراع وضرورة البناء في مناخه.. إن المقاومة الفلسطينية طويلة النفس والأمد والتي تترك الحلول السياسية خلف ظهرها، والتي تشاغل العدو بكل الوسائل المواتية دون الدفع بالشعب الفلسطيني إلى تهلكة.. إن مقاومة بهذا الوعي ستكون بلا شك عاملا مساعدا في تحرير الفعل العربي والإسلامي وصانعة مناخ حيوي لبناء منظومة أفكارنا في المنطقة العربية والاسلامية، ويكون الفعل من كل الجهات نحو الوحدة والقوة هو الاتجاه الوحيد نحو القدس.. هذا هو المستخلص المركز في مراجعة فكر الهزيمة والتردي.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!