الرأي

القرأن الكريم.. متى نعود إليه؟

صالح عوض
  • 1929
  • 0
ح. م

يقول تعالى”لو أنزلنا هذا القرأن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله”.. ولكنه نزل على قلوب الناس فمن استيقنه منهم وأقبل عليه بروحه وعقله كان له هاديا منقذا قال تعالى “إن هذا القرأن يهدي للتي هي أقوم…” ومن حالت دونه الحُجب والمعرقلات فلم يقرأه بقلب وعين، كان في ضلال مبين ويصبح مثله كما قال تعالى “كمثل الحمار يحمل أسفارا”.

القرأن الكريم.. الكتاب الذي ارتضاه الله لنا لكي نُحدث الانسجام بيننا والطبيعة والفطرة فيعم السلام داخل نفوسنا ومجتمعاتنا والبشرية كافة.. ولكي يتصدى لكل نداءات الضعف البشري من انحراف وارتكاس إلى الدنيا.. هذا الكتاب الذي هو ما يميز أمة الإسلام، يتم استبداله اليوم بأقوال بشر وأحكام بشر، فاستبدلت معانيه وتغيّرت طبيعته وأصبح يُستدعى فقط لمصالح آنية أنانية بلا هدف ديني ولا غاية إنسانية..

 

القرأن الكريم الذي أنزله الله من الملكوت إلى الانسان هو التركيز على أسرار الله في الكون والنفس والحياة، وهو الكرامة الكبرى لبني الانسان واللطف الالهي به لبناء حياة تليق بالانسان الذي كرّمه الله على الملائكة بما زوّده من علم ومسؤوليات بناء على العلم.

لا تبدو أثار القرأن في حياة الناس اليوم بعد أن مزقتهم أراء الرجال وشتتهم الاختلاف والتفرقة فأصبحوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون.. وبعد أن وضّح القرأن الكريم أن الأصل البشري يعود لأدم وأن ليس هناك ما يبرّر التمايز باسم القبيلة والشعب واللون إنما فقط بالتقوى أي بتجنب كل ما يسيء للبشر وبالعمل لكل خير يعود على البشر.. وحسم القرأن الكريم وحدة المصير البشري بأن الناس جميعا إخوة وأنهم صائرون جميعا إلى ملاقاة خالقهم الواحد الأحد السميع البصير.

ولقد أصبحت الأية الكريمة في وعي الكثيرين بمعزل عن قائلها سبحانه وتعالى فأصبح التعامل معها وكأنها كلمات بما فيها من أحكام، يتم التعامل معها بلا استشعار أن الذي قالها حي موجود سميع بصير فعال لمايريد، فغابت عنا فاعلية الأية الكريمة وفقدت على ألسنتنا دفقها الروحي وحضورها اللازم ففقدت قدرتها على التأثير والتغيير والاصلاح.. وذهب بعض المسلمين إلى مخالفات صريحة وواضحة لصريح أيات القرأن الكريم؛ ففي حين يقول المولى عز وجلإنما المؤمنون إخوة، ويقول سبحانهان هذه أمتكم أمة واحدة..”.. تجد تأويلات البعض وتفسيراته ومواقفه صنعت في الأمة نوازع الفتن وأوضعت فيهم السيف والقتل.

فما الذي يحرمنا من نهل الخير من القرأن الكريم..؟ كلنا يعلم أن لا كتاب بين أيدينا أو أيدي البشر مضمون الصحة والحفظ والصون إلا القرأن الكريم، وما ذلك إلا إحدى معجزاته سبحانهإنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظونفكانت هذه القاعدة الثانية لتفرد القرأن الكريم عمن سواه.. فبعد أن ظهرت معجزة الله في القرأن الكريم بأنه كتاب منه وهو العليم الخبير الواسع المحيط الكريم الفعّال لما يريد، تتضح القاعدة الثانية بأن هذا الكتاب محفوظ لا يأتيه الباطل من أية جهة..

في القرأن الكريم حياة كاملة من الانتباه لمعالم الطريق إلى الله، وانتباه شديد للفتن التي تصرف عن الصراط المستقيم.. في القرأن الكريم قليلٌ من الأيات تتحدث عن أركان الاسلام المتمثلة في الصوم والصلاة والزكاة والحج.. وكثيرها يتحدث عن القيم والمفاهيم وسنن الانتصار والهزائم وهو في ذلك كله يحارب الضعف المفضي إلى الاستسلام للواقع وينتشل إلى القمة كل من تعلق بأهدابه.. ويطرد دواعي الوهن والانفلات والتراخي المذلّ، وبين الحديث عن الأحكام والحدود وأيات الميراث وأيات القتال يفيض القرأن الكريم بقصص الأنبياء يبرز معالمها الضرورية وكيفية تلقيهم عن ربهم ومنهاجهم في مواجهتهم للطغيان الفرعوني والإفساد المستشري بين الناس، أي توضيح المنهج الرباني لحياة الانسان في هذه الحياة..وكيف صنع الاسلام نماذج مقاومة قلّ نظيرها على المستوى البشري فتلك صبغة الله.

القرأن الكريم ليس مرجعا دينيا لاستنساخ الأحكام أو استنباطها فقط، وليس للتبرك والرقية فقط، وليس للتفنن في القراءة والتظاهر بمعجزاته الأدبية والعلمية فقط، فما هذا إلا اليسير اليسير من بركاته التي اكتشف قليلها العلماء والأئمة ولازالت مكنوناتها المستترة بين حروفه والمغطاة عن بصائر وبصر الخلق كثير يتضح بعضه حسب حاجة العباد وعلى أعين انكشف غطاؤها، أنه هو الكلام الأبدي لله رب العالمين الحي القيوم.. أن له خاصية الشهادة على الحياة في كل زمان ومكان لأنه قول الحي القيوم الدائم بتفرده بالبقاء.. ومن هنا بالضبط حصل الإشكال في واقع كثير من العلماء السابقين واللاحقين عندما انشغلوا عن روح القرأن الإلهية ورسالته الرحمة للعالمين فأصبح يُلاك على الألسنة ويُزج به للاستدلالات التي ترجح قولاً على قول بلا تحوط ولا تهيّب.

بلا شك سيجد القارئ النبيه في القرأن الكريم ضالته من منهاج للتحليل الاجتماعي وضبط السلوك المدني والاجتماعي، ومنهاج للتحليل النفسي وكيفية تقويم النفس، ومنهاج للتفسير التاريخي وضبط المعيار التحليلي، وسيجد كل ذي حاجة حاجته بإعجاز منقطع النظير لأنه التركيز والتكثيف للفطرة والكون، وهو مع هذا كله نداءٌ متواصل مستمر يرفع الهمّة ويزيح الحجب ويأخذ بمدارك العقل لسلوك درب المعرفة والتقرّب إلى الله، وهو في هذا كله ينقي الوجدان والضمير والقلب من كل شرك بالله رب العالمين فتصبح الأيات حية فاعلة متدفقة كأنما تتنزل اللحظة، بل هي كذلك..

القرأن الكريم هو المعجزة الكبرى.. وهو المنحة الأعظم للأمة المحمدية، وهو النعمة التي لا تساويها نعمة لبني الانسانية.. كل قول أو فعل لأي إنسان كان مهما كانت مكانته يعرض عليه، فإن صحّ فهو كذلك وإلا فعرض الحائط أولى به.. ذلك لأنه القول الحق والميزان الصدق.. وهو في كليته رحمة للعالمين ومنير درب السالكين في الحياة نحو الخير والمرتقي بهم إلى ما يليق بالقرب من ربهم اللطيف الخبير.. تولانا الله برحمته وردنا إليه ردا جميلا.

مقالات ذات صلة