الرأي

القسّام وحدها

حال أبناء كتائب القسام، ومن والاهم، من الرجال، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، في هذا الزمن الأغبر، بعد أربعة عشر شهرا من المقاومة، أشبه بحال من تبقى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحُد، عندما لمعت نفائس الغنائم، فنسي بعض المسلمين أنفسهم ونسوا نصائح قائدهم العظيم، فراحوا يرجون الدنيا، بينما رابط القلة ودافعوا عن رسالتهم، وحتى إن خسروا معركتهم تلك، فإنّ التاريخ بيّن بأنهم لم يخسروا قطّ حربهم، فقد استُشهد في غزوة أحد حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وسبعون من خيرة الرجال، ولكن الإسلام حقق بالشهادة، الانتصار الحاسم.

هناك في غزة، بقدر ما يتشبّث مجرم الحرب نتانياهو، بتحقيق الانتصار الكامل على حماس، مدعما من دون حدود بصمت جنائزي عالمي مطبق، هو أقرب للرضا بما يفعله نتانياهو، تواصل كتائب القسام كتابة التاريخ، وتصمد حيث انسحب الكثيرون، بين من آلمه من ضيّع من شهداء، وبين من حمل الراية البيضاء بسبب بطش العدو الذي استعمل كل المحرَّمات في حرب أرادها منذ البداية إبادة شاملة لكل مقاوم أو لكلّ عربي مسلم، وبقيت كتائب القسام وحدها بين الشهادة والنصر.

الحرب المقدَّسة من أجل الأقصى التي أعلنها رجالات يحيى السنوار، كانت فعلا مثل كتابه الخالد، شوك وقرنفل، فقد كانت الفاتورة ثقيلة جدا، عندما رمى الجيش الصهيوني القيم والأخلاق جانبا، وأعلنها حربا على كل ما ينبض بالحياة، ولأن هدف المقاومة كان كبيرا جدا، فإن كتائب القسام تعلم بأن مجرّد التفكير في إمكانية الخسارة أو الاستسلام، هو هزيمة، أما المواصلة لأجل الهدف ذاته وبالشروط نفسها، فهو الانتصار الكبير، الذي سيضع العدو دائما أمام فوهة البندقية، يدرك أن قتل الرجال، هو حياة أخرى وإرادة أقوى، ويجعل فلسطين حياة إلى يوم الدين.

نعود إلى غزوة أحُد، عندما سقط المسلمون بين قتيل وجريح، وعمّت في صفوفهم الفوضى بعد أن هاجم القرشيون قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق إلى جانبه إلا القلة، على رأسهم أبو دجانة ومصعب بن عمير، ثم انتشرت الإشاعة وصيحات “قتلنا محمدا” تدوّي وتنتشر بقوة في جبل أحُد، وبقي القلّة يدافعون عن النبي وفي أذهانهم: “وما محمدٌ إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ما أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشاكرين”، وفي أذهانهم أيضا: “يريدون أن يطفئوا نور لله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون”، فتحقق الصمود، وهنأ أهل قريش بانتصارهم لبعض الوقت، وتألّم أهل الإسلام بخسارتهم ولشهدائهم لبعض الوقت، ولكن الانتصار الحاسم كان للصامدين والصابرين والمرابطين في جبهة القتال.

هكذا حالُ القسام، فقد تركوها وحدها أمام عالم ظالم لا يرحم، حاول التشويش على صمود المقاومة بالإشاعات المنطلقة من كل فضائيات الدنيا.. من كلها من دون استثناء، فألهوا العالم بقضايا أخرى، من أجل الإجهاز عليها، ولكن هيهات.. لأن القسام بدأت لوحدها، وستكمل مسيرة المجد لوحدها.

مقالات ذات صلة