القصة العراقية في دعم الثورة الجزائرية الجزء الأول
بين العراق والجزائر حكايات ومآثر سجلت بأحرف ذهبية، امتدت من النجف وكربلاء الى وهران وقسنطينة، ومن وادي الشلف الى العمارة، ومن الموصل الى الأوراس، منطلق ثورة نوفمبر المجيدة التي نعيش ذكراها الواحدة والسبعين والتي ضحى فيها أكثر من مليون ونصف المليون جزائري بحياتهم في ملحمة مازالت تلهم شعوب العالم الحر الى يومنا هذا.
ومن روح الأدب كانت ثورة التحرير الجزائرية وأبطالها مرتكزا ثقافيا مهما خاصة في الشعر العراقي، إذ تشير مراجعة لما جمعه الدبلوماسي الدكتور عثمان سعدي أول سفير للجزائر في العراق الى وجود 255 قصيدة نظمها 107 شاعر عراقي كان في مقدمتهم الجواهري، والسياب، والبياتي.
لعل من المحطات المهمة المبكرة في العلاقة العريقة بين الجزائر والعراق تلك الزيارة التي قام بها الامير عبد القادر الجزائري عام 1825 مع والده الشيخ محيي الدين بهدف أداء فريضة الحج وزيارة العلماء والأولياء في المشرق الإسلامي، وخاصة زيارة ضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني في بغداد، الذي يُعدّ الجدّ الروحي لعائلتهم ولعموم الطريقة القادرية التي ينتمي إليها، إذ تعرَّف الأمير عبد القادر خلال إقامته في بغداد على كبار العلماء، وتأثر بأفكارهم الروحية والعلمية، وهو ما ساهم في تكوين شخصيته الدينية والفكرية والسياسية التي برزت لاحقاً عندما تولّى قيادة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في الجزائر.
ومن تلك المحطات والتي سنسهب في تفصيلها هنا هو الدور البارز للدبلوماسي العراقي رئيس الوزراء الأسبق، وزير الخارجية وممثل العراق في الأمم المتحدة، الدكتور محمد فاضل الجمالي في دعمه لاستقلال الجزائر وثورتها المجيدة عبر عدة مسارات متكاملة نابعة من فكرة إنسانية تتعلق بالحرية والكرامة وحق تقرير المصير قبل ان تنبع من جانب قومي او عقائدي، لكنها واقعية أيضا، فالجمالي أدرك من خلال خبرته الواسعة ان السياسة الخارجية لأي قضية في المسرح الدولي لن تتحقق دون ان يتم العمل عبر ثلاثية (القوة، والدبلوماسية، والاقتصاد) وبذلك، فان الجزائر بحاجة الى ضغط دبلوماسي ودعم اقتصادي ودعم عسكري. وقد عمل على هذه الاتجاهات من لحظة وعيه المبكر بهذا الملف والذي سينشر بتفاصيله مع الوثائق لاحقا في مذكراته السياسية والشخصية.
حارس الاستقلال الدبلوماسي
دبلوماسيا، بعد أن اتخذ مجلس الجامعة العربية في نيسان 1953 قراراً برفع القضية الجزائرية إلى الأمم المتحدة، قرَّر أعضاء الوفود العربية إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر1954، وقد انبرى الجمالي الذي كان يشرح القضية وطالب بإدراجها ضمن جدول الأعمال، لكن اللجنة التوجيهية التابعة إلى اللجنة السياسية رفضت الطلب بحجة أن “القضية الجزائرية قضية فرنسية داخلية”، وقد اعترض الجمالي على قرار اللجنة التوجيهية، وطالب بفتح المناقشات حول القضية مرة ثانية، فاعترض عليه بول هنري سباك وزير خارجية بلجيكا، ودافع عما سمّاه “حق فرنسا في الجزائر”، وقد أثار موقف المندوب البلجيكي حفيظة الدكتور الجمالي، فردّ عليه قائلاً: “إن الجزائر بلدٌ شعبه ليس فرنسيا، وأرضه غير متصلة بفرنسا جغرافياً، إنها تريد التمتع بالحرية والمساواة والاستقلال”، وقد قوبلت مداخلة الجمالي بتصفيق متكرر من مندوبي العديد من دول العالم، وعندما جرى التصويت ربحت الوفود العربية المعركة بصوت واحد هو صوت الفلبين، التي أقنع الجمالي بدبلوماسيته وقدرته التفاوضية رئيسَ وفدها بالتصويت إلى جانب العرب بعد أن كان ينوي الامتناع عن التصويت، ودفعت نتيجة التصويت الوفد الفرنسي الى مغادرة القاعة محتجاً.
وفي دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت عام 1956 جرى نقاش طويل في اللجنة السياسية عن الجزائر، وكان الجمالي من أقوى المدافعين في المحافل الدبلوماسية عن القضية الجزائرية، واستثمر علاقاته من خلال حلف بغداد، ولاسيما مع الولايات المتحدة الامريكية عبر نقاشاته المستمرة مع وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس الذي كان يحاول تبرير السياسة الفرنسية في الجزائر بالقول: “إن زمن الدول المستقلة قد انتهى، وان هذا عصر الاندماج وليس عصر الاستقلال” فيرد عليه الجمالي قائلاً: “انا مع الاندماج تماماً بشرط أن يتم بعد تحقيق الاستقلال، والاندماج ينبغي أن يتم بحرية ولا يكون مفروضا من الاستعمار وبالقوة كما يحدث الآن مع فرنسا”، وفيما أقر دالاس صراحة بحق الجزائر في تقرير المصير، قال إنه لا يوجد سياسيٌّ في فرنسا لديه القوة والشجاعة لتنفيذ ذلك باستثناء ديغول الممسك بزمام أمور شمال إفريقيا، ورغم أن ديغول كان يستعرض الجزائرعلى أنها “فرنسية” ولن تنال الحكم الذاتي كما تونس والمغرب، فإن ذلك لم يثن الجمالي عن الإستمرار في تحركاته من أجل القضية الجزائرية.
تعود هذه العلاقة الوطيدة الى اللقاء الذي جمع الدكتور الجمالي بالشيخ البشير الإبراهيمي لأول مرة في خريف عام 1951 خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس وتحديدا أثناء الحفلة التي أقامها الجمالي في فندق كريون على شرف حصول ليبيا على الاستقلال، إذ قام الشيخ الإبراهيمي بدعوة من الجمالي بإلقاء كلمة في عاصمة فرنسا قائلا: “إن الجزائر ستقوم قريبا بما يُدهشكم من تضحيات، وبطولات” وكان قد استهلّ كلمته بشكر الجمالي بحرارة، ونسب إليه ما يحمله اسمه من صفات (الحمد والفضل والجمال) في لفتة أخوية وأدبية منه.
ونجد في الصناديق الدبلوماسية السرية لاجتماع حلف بغداد الذي عُقد في انقرة في عام 1958 جرى البحث في قضية الجزائر، وقد أدلى وزير خارجية بريطانيا آنذاك سلوينلويد مداخلة واصفا فيها الجزائر بأنها “جزء من فرنسا”، وكان من الحاضرين في ذلك الاجتماع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد ووزير الخارجية برهان الدين باش أعيان، والجمالي، والأخير هو الذي ردَّ بحسم على مداخلة وزير خارجية بريطانيا، قائلا: إن الجزائر ليست جزءا من فرنسا، والشعب الجزائري ليس فرنسياً ولا هو يريد أن يكون كذلك، ولم يُعطَ الشعب الجزائري حقوقٌ متساوية مع الفرنسيين وإن أيام الهيمنة الفرنسية على الجزائر يجب أن تنتهي، وذلك بالاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الجزائري، وإن على أعضاء حلف بغداد أن يفهموا تماماً أن القضية الجزائرية تشغل بال العالم العربي، فإذا لم يقم الغرب بحل المشكلة وفق ميثاق الأمم المتحدة فإنه يقدِّم بذلك الشيوعية على أنها البديل له تكون قضية الجزائر سلاحا دعائيا قويا”.
كما يجدرالذكر ان الجمالي قد كرر ما فعله مع تونس، عندما ادخل المناضلين الجزائريين الكبيرين حسين آيت أحمد وفرحات عباس وغيرهم الى الأمم المتحدة كأعضاء في الوفد العراقي، كما استمرّت حقيبة الجمالي الدبلوماسية بحمل ملف الجزائر الذي كان في صلب اهتمامها سواء في اجتماعات الجامعة العربية او مؤتمر باندونغ1956 وغيرها من المحافل الدولية بعقيدة دبلوماسية صلبة.
القوة الناعمة والقضية الجزائرية
لم تغب الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة عن ذهنية الجمالي المتقدة بالعمل الوطني، فقد سعى لتوعية وإطلاع الشعب العراقي على القضية الجزائرية حتى قبل اندلاع ثورة نوفمبر 1954، ولاسيما عبر التعاون القوي مع الشيخ البشير الإبراهيمي رئيس جمعية علماء المسلمين، وحين كان الاخير يقوم بزيارة بغداد، كان الجمالي يوفر الفرص للقاء المسؤولين العراقيين، من أجل شرح تفاصيل ومستجدات القضية الجزائرية.
وتعود هذه العلاقة الوطيدة الى اللقاء الذي جمع الدكتور الجمالي بالشيخ البشير الإبراهيمي لأول مرة في خريف عام 1951 خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس وتحديدا أثناء الحفلة التي أقامها الجمالي في فندق كريون على شرف حصول ليبيا على الاستقلال، إذ قام الشيخ الإبراهيمي بدعوة من الجمالي بإلقاء كلمة في عاصمة فرنسا قائلا: “إن الجزائر ستقوم قريبا بما يُدهشكم من تضحيات، وبطولات” وكان قد استهلّ كلمته بشكر الجمالي بحرارة، ونسب إليه ما يحمله اسمه من صفات (الحمد والفضل والجمال) في لفتة أخوية وأدبية منه.
في الصناديق الدبلوماسية السرية لاجتماع حلف بغداد الذي عُقد في انقرة في عام 1958 جرى البحث في قضية الجزائر، وقد أدلى وزير خارجية بريطانيا آنذاك سلوينلويد مداخلة واصفا فيها الجزائر بأنها “جزء من فرنسا”، وكان من الحاضرين في ذلك الاجتماع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد ووزير الخارجية برهان الدين باش أعيان، والجمالي، والأخير هو الذي ردَّ بحسم على مداخلة وزير خارجية بريطانيا، قائلا: إن الجزائر ليست جزءا من فرنسا، والشعب الجزائري ليس فرنسياً ولا هو يريد أن يكون كذلك، ولم يُعطَ الشعب الجزائري حقوقٌ متساوية مع الفرنسيين وإن أيام الهيمنة الفرنسية على الجزائر يجب أن تنتهي، وذلك بالاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الجزائري.
إلى جانب ذلك، نشر الجمالي مقالات عديدة في الصحف العراقية المختلفة عن القضية الجزائرية وفي بعض الاحيان بإسم مستعار، ومن المواقف الطريفة أنه ذات مرة قام الرقيب بإيقاف مقالة كان قد كتبها تحت اسم مستعار في جريدة “البلاد” العراقية بعنوان: “الجزائر والضمير الإنساني”، انتقد فيها الذين لا يساهمون في كفاح الجزائر بينما يدرّون أموالهم على موائد القمار، وبعد اتصالات أجراها تم نشر المقال، كما نشر سلسلة مقالات عن القضية الجزائرية في صحيفة “العمل” التي أسّسها لاحقا وكان يشرح فيها بأسلوب دبلوماسي أبعاد النضال التحرري والمشروع الجزائري. فضلا عن القائه خطابات في بعض المناسبات، ففي الذكرى الثالثة للثورة الجزائرية في تشرين الثاني/ نوفمبر1957 نظم اجتماعاً جماهيرياً كبيرا في بغداد والقى كلمة فيه عن أهمية نصرة الكفاح من أجل التحرر.
كما دعم الجمالي افتتاح إذاعة الجزائر في العراق سنة 1958 في حقبة رئاسة أحمد بودة للوفد الجزائري وكان كل من محمد الربعي وعلي الرياحي وعبد الحميد قرميط يتولون التحرير والتعليق السياسي وهو ما كان له دور في حشد الجماهير خلف قضية الجزائر العادلة، كما عمل الجمالي على استقطاب عشرات الطلبة الجزائريين في دار المعلمين العالية في بغداد، واستضافة الفرق الفنية لجبهة التحرير التي قدمت عروضا فنية ومسرحية، والرياضية الجزائرية مثل فريق الجيش وجبهة التحرير لكرة القدم للمشاركة الفعالة في العراق.
… يُتبع