-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
قانونيون يثمنون القرار الرئاسي في وجه المتورطين بحرائق الغابات:

القضاء يشهر “سلاح الإعدام” ردعا لـ”الإرهاب البيئي”

نوارة باشوش
  • 151
  • 0
القضاء يشهر “سلاح الإعدام” ردعا لـ”الإرهاب البيئي”
ح.م
تعبيرية

في خطوة غير مسبوقة تعكس انتقال الدولة إلى أقصى درجات الردع والصرامة في التعامل مع ما يوصف بـ”الإرهاب البيئي”، ثمن رجال القانون قرار رئيس الجمهورية القاضي بالإسراع في تفعيل عقوبة الإعدام على كل من يثبت تورطه في افتعال حرائق الغابات، معتبرين أن هذه الخطوة ستمنح القضاء الأداة القانونية الصريحة للنطق بأحكام الإعدام وتنفيذها.
ولترجمة هذه التوجيهات على أرض الواقع، أمر القاضي الأول في البلاد بتعديل قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر، كأقصى أجل للانتهاء من صياغة وتعديل مسودة القانون الجنائي.
وفي هذا السياق، أجمع خبراء في القانون أن هذه الخطوة المستعجلة، ستمنح القضاء الأداة القانونية الصريحة للنطق بأحكام الإعدام في مسعى لخلق حالة ردع قصوى تحمي الغطاء الغابي وتمنع تكرار ترويع المواطنين وممتلكاتهم وتضع حدا لـ”الإرهاب البيئي” الذي تسبب في حصد المئات من الأرواح مما تسبب في المساس المباشر بالاستقرار والأمن العام، في حين برى بعض أصحاب الجبة السوداء أن عقوبة “الإعدام” تبقى خيارا تشريعيا حساسا يتطلب موازنة دقيقة بين مقتضيات الأمن والالتزامات الحقوقية الدولية.

بوجمعة: خطورة حرائق الغابات تستوجب ردّا جنائيا صارما ورادعا
وفي الموضوع، شدد المحامي خالد بوجمعة عن “منظمة محامي الجزائر”، على أن القرار الذي لخصه رئيس الجمهورية، القاضي الأول للبلاد، خلال اجتماعه الأخير، حين شدد بنبرة حازمة تعكس صمود مؤسسات الدولة بالقول إنه “لا يوجد من يستطيع تركيع الجزائر” صائب باعتبار أن هذه العقوبة ستحقق أحد أهم الأهداف والمقاصد وهي الردع.
وأعطى الحقوقي بوجمعة عنوانا بـ”حرائق الغابات… عندما يتحول اللهب إلى جريمة ضد الإنسان”، يلخص في طياته ما يحدث حاليا في الجزائر، قائلا في تصريح لـ”الشروق” إن “حرائق الغابات في الجزائر لم تعد مجرد ظاهرة موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وجفاف الطقس، بل أصبحت، في بعض الحالات، مأساة إنسانية وبيئية واقتصادية تحصد الأرواح، وتدمّر الممتلكات، وتقضي في ساعات على ثروة طبيعية استغرق تكوينها عقودا… ومن هذا المنطلق، جاء توجيه رئيس الجمهورية، بضرورة تعديل قانون العقوبات لإقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ ضد المتورطين في إضرام الحرائق عمدا، وهو توجه يعكس بوضوح خطورة الأفعال التي تستهدف أمن المواطنين وسلامتهم وثروات البلاد”.
وتساءل بوجمعة: “لكن، من زاوية القانون المقارن، تطرح هذه الخطوة سؤالا مهما: هل تصل عقوبة مضرمي حرائق الغابات إلى الإعدام في التشريعات الأخرى؟”، ليجيب قائلا: “بالعودة إلى عدد من القوانين المقارنة، نجد أن الاتجاه الغالب لا يجعل مجرد إضرام النار في الغابات سبباً تلقائياً للحكم بالإعدام. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، يمكن أن تصل العقوبة إلى الإعدام عندما يؤدي الحريق العمد إلى وفاة أشخاص، باعتبار أن الفعل قد يأخذ وصف القتل العمد”.
وأضاف: “لقد شهدت ولاية كاليفورنيا إحدى أشهر هذه القضايا، عندما أُدين مُشعل حريق (Esperanza Fire) بقتل خمسة من رجال الإطفاء وصدر بحقه حكم بالإعدام، أما في عدد من الدول الأوروبية والمتوسطية، مثل اليونان، فقد اتجه المشرّع إلى تشديد العقوبات السالبة للحرية والغرامات بصورة كبيرة، من دون اعتماد عقوبة الإعدام، وهنا تظهر خصوصية التوجه الجزائري، فإذا كان الهدف هو مواجهة من يتعمّد إشعال حرائق الغابات، فإن صرامة العقوبة مفهومة بالنظر إلى النتائج الكارثية التي يمكن أن تترتب عن الفعل، غير أن المشرّع يواجه مهمة دقيقة: تحديد الحالات التي تستوجب العقوبة القصوى، حتى لا تصبح المسؤولية الجنائية مرتبطة بمجرد حدوث الحريق، من دون التمييز بين حريق محدود وحريق متعمّد أدى إلى وفاة عشرات الأشخاص أو تدمير مناطق سكنية بأكملها.
ويوضّح بوجمعة أن القانون الجنائي “لا يعاقب على النتيجة وحدها، وإنما يبحث أيضاً في القصد الجنائي، وطبيعة الفعل، والظروف المحيطة به، والعلاقة السببية بين السلوك والنتيجة، ومن هنا، أعتقد أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في سؤال: هل نعاقب مضرمي الحرائق بالإعدام؟ وإنما يجب أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر دقة وهو متى يصبح إشعال النار فعلا إجرامياً يستوجب أقصى عقوبة في القانون؟ وهل يكفي مجرد القصد في إشعال النار؟ أم ينبغي أن تكون هناك وفاة أو إصابات جسيمة؟ وهل تختلف العقوبة إذا كان الجاني يقصد إحراق الغابة، بينما تتجاوز النيران ذلك بفعل الرياح فتصل إلى المناطق السكنية؟ وماذا عن المحرّض والشريك والمساهم؟ وهل تكون لهم العقوبة نفسها؟”
وأردف رجل القانون أن “حماية الغابات والأرواح والممتلكات تتطلب، بلا شك، قانونا صارما ورادعا، لكن الردع الحقيقي لا يتحقق فقط بتشديد العقوبات، وإنما أيضا بسرعة الكشف عن الجريمة، وفعالية التحقيقات، وإثبات القصد الجنائي، وملاحقة المحرضين والمتورطين، خاصة أن الحريق المتعمّد أصبح في زمننا قادرا على التحول خلال ساعات إلى كارثة وطنية، ولذلك، فإن حماية الجزائر من هذه الجرائم تقتضي أن يكون القانون صارماً في العقوبة، دقيقاً في التجريم، عادلا في التطبيق، وحاسماً في حماية الإنسان قبل الشجر والممتلكات، فحين يتحول اللهب عمداً إلى وسيلة لقتل الإنسان وتدمير ممتلكاته وثروته الطبيعية، فإننا لا نكون أمام مجرد “حريق غابة” وإنما أمام اعتداء بالغ الخطورة على المجتمع بأكمله”.
وختم بوجمعة تصريحاته بالقول، إن “خطورة حرائق الغابات تستوجب، بلا شك، ردا جنائيا صارما ورادعا، لكن قوة القانون لا تقاس فقط بشدة العقوبة، وإنما أيضا بدقة النص، ووضوح شروط تطبيقه، وتناسب العقوبة مع جسامة الفعل والنتيجة، ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المشرّع الجزائري سيكون في إيجاد الصياغة التي تحقق هدفين متلازمين: حماية الأرواح والثروة الغابية والممتلكات من هذه الجرائم الخطيرة، وضمان التطبيق العادل والدقيق للعقوبة الجنائية”.

رحموني: الإعدام يقترن بالأضرار وتعريض حياة الأشخاص للخطر
من جهته، يتشبث المحامي وليد رحموني، باقتران عقوبة “الإعدام” بالأضرار وتعريض حياة الأشخاص للخطر، مما يبرر اعتماد سياسة جنائية ردعية بكل المقاييس.
وقال رحموني في تصريح لـ”الشروق”: إن “جريمة الإضرام العمدي للحرائق تعد من الأفعال الإجرامية ذات الخطورة البالغة، بالنظر إلى ما قد يترتب عليها من تهديد مباشر للأرواح والممتلكات وإخلال جسيم بالأمن والسلامة العامة، وتزداد خطورة هذه الجريمة متى اقترنت بإحداث أضرار واسعة النطاق أو تعريض حياة الأشخاص للخطر، الأمر الذي يبرر اعتماد سياسة جنائية صارمة تجاه مرتكبيها تصل إلى المؤبد”.
وفصّل الحقوقي في المبررات التي يمكن الاستناد عليها لتأييد تشديد العقوبة وقال إن أبرزها تتمثل في، أولا، تحقيق الردع العام والخاص: إذ يهدف الردع العام إلى توجيه رسالة واضحة إلى أفراد المجتمع مفادها أن الأفعال التي تهدد حياة الأشخاص وسلامتهم وتلحق أضرارا جسيمة بالممتلكات تقابل بعقوبة صارمة، في حين يستهدف الردع الخاص إلى منع الجاني من العودة إلى ارتكاب أفعال مماثلة.
أما المبرر الثاني، يوضّح رحموني “تناسب بين جسامة الجريمة والعقوبة بحيث تتناسب شدة الجزاء الجنائي مع خطورة السلوك الإجرامي والنتائج المترتبة عليه، فإذا أدى الإضرام العمدي إلى وفاة شخص أو تعريض عدد كبير منهم الخطر محدد، فإن جسامة النتيجة الإجرامية تبرر منظور السياسة الجنائية القاضية بتشديد العقوبة إلى أقصى الحدود التي يجيزها القانون، فيما يتعلق المبرر الثالث بالحماية الفعالة للمجتمع لاسيما في الحالات التي يكشف فيها الفعل على درجة استثنائية من الخطورة والإصرار الإجرامي، باعتبار أن التجريم والعقاب لا يستهدفان مجرد معاقبة الجاني وإنما يهدفان أيضا إلى حماية المصالح الاجتماعية والاقتصادية والقانونية الجديرة بالحماية”.
وعليه، يختم المحامي رحموني تصريحه بأنه “يمكن القول أن تشديد العقوبة المقررة لجريمة الإضرام العمدي للحرائق يجسد مبرراته في خطورة السلوك الإجرامي واتساع نطاق الخطر الناجم عنه، وحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية وتحقيق الردع العام والخاص فضلا عن التناسب بين الجريمة والعقاب والجزاء، وبذلك، يتضح أن السياسة الجنائية الجزائرية لا تنظر إلى الإضرام العمدي للحرائق مجرد اعتداء على المال، وإنما تضع في الاعتبار النتائج المحتملة والفعلية للحريق ومدى تهديده للأشخاص والمجتمع وهو ما يفسر التدرج في العقوبة القصوى ألا وهي الإعدام”.

ديب: عقوبة الإعدام في بعض الجرائم تحقق الردع والحماية والعدالة
ومن جانبه، يرى المحامي رفيق ديب أن إعادة إدراج عقوبة الإعدام في بعض الجرائم قد تحقق منافع تتعلق بالردع، الحماية، والعدالة، لكنها تبقى خيارا تشريعياً حساسا يتطلب موازنة دقيقة بين مقتضيات الأمن والالتزامات الحقوقية الدولية.
وأكد ديب في تصريح لـ”الشروق” أن “عقوبة الإعدام من أقدم العقوبات الجنائية في التاريخ، وقد أثارت جدلا واسعا بين مؤيدين يرون فيها وسيلة ردع وحماية، ومعارضين يعتبرونها انتهاكا للحق في الحياة، في هذا السياق، يطرح موضوع إعادة إدراجها في بعض الجرائم الخطيرة كخيار تشريعي ويعد مطلبا شعبيا واسعا في الجزائر، خاصة في هذا النوع من الجرائم التي تهدد حياة الأشخاص وممتلكاتهم في السنوات الأخيرة”.
وأوضح ديب أن “إعادة إدراج عقوبة الإعدام في قانون العقوبات الجزائري يشكل عدة منافع، يذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: الردع العام، حيث ينظر إلى الإعدام كأقصى عقوبة يمكن أن تمنع ارتكاب الجرائم بالغة الخطورة، الخوف من العقوبة النهائية قد يقلل من معدلات الجرائم مثل الإرهاب والقتل العمد، فضلا عن حماية المجتمع، إذ يضمن الإعدام إبعاد المجرمين الخطرين نهائياً عن المجتمع، كما يمنع احتمال عودتهم إلى الإجرام حتى بعد الإفراج أو العفو، فضلا عن تحقيق العدالة للضحايا باعتبار أن هذه العقوبة تعتبر شكلا من أشكال القصاص والإنصاف لأسر الضحايا ويعكس موقف الدولة الحازم تجاه الجرائم التي تهدد الأمن القومي أو السلم الاجتماعي”.
والأكثر من ذلك، يقول الحقوقي: “هذه العقوبة تقلل الأعباء المالية، إذ يُستدل بأن الإعدام يقلل من تكاليف السجون مقارنة بالسجن المؤبد، ويخفف من عبء الإيواء والرعاية الصحية للمحكوم عليهم مدى الحياة، كما أنها تعزز من هيبة القانون، كونها رسالة قوية بأن الدولة لا تتسامح مع الجرائم بالغة الخطورة، مما يعزز ثقة المواطنين في النظام القضائي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!