رئيس الحكومة الأسبق، سيد أحمد غزالي، في حوار لـ "الشروق"
القضايا السلطوية طغت على مشاكل الناس وجعلت قضاياهم مهملة
أكد، سيد أحمد غزالي، رئيس الحكومة الأسبق أن التشبث بالسلطة يحدث تراكما في المشاكل الاجتماعية، مضيفا “أن بروز أزمة اقتصادية تتبعها أزمة اجتماعية تتحول لأزمة سياسية، وفي تاريخنا، منذ وفاة الرئيس هواري بومدين، القضايا السلطوية طغت بكثير على مشاكل الناس، وهو ما دفع السلطة إلى التخلي عن أدوارها”، وقال غزالي، في حديث لـ ”الشروق”، أن تغيير الحكومة لن يأتي بجديد، وسط عجز الأحزاب عن تأطير الشارع الجزائري.
- ماهي قراءتكم للاحتجاجات الأخيرة وكيفية التعاطي معها؟
- الاحتجاجات ليست جديدة، فمنذ سنين طويلة، نشهد احتجاجات ذات طابع اجتماعي، الجديد، يكمن في تجددها، ونحن أمام ظاهرة قديمة جدا، المتغير فيها، هذه المرة، هو حجمها وانتشارها في عدد من ولايات الوطن.
- أين يكمن، بحسبكم، الاختلاف عن انتفاضة أكتوبر 1988؟
- الاختلاف أن الاحتجاجات الأخيرة، تعبر عن عدم ارتياح الجزائريين، والكلام عن أزمة خبز ومواد استهلاكية، غير أن المتطلبات تفوق الخبز، فالخبز يجب أن ترافقه الحرية والكرامة، والعكس لا حرية دون خبز، ولا كرامة دون خبز، وعليه فالغضب يتجاوز ارتفاع الأسعار فقط، ويمتد لعدم رضا شريحة كبيرة من الجزائريين تتمثل في الشباب.
- هل من تشخيص للوضع؟
- يجب النظر إلى الأسباب التي جعلت المجتمع الجزائري في هذه الحالة، والسبب يكمن في طبيعة النظام ، والسياسات والمسؤولين عن تنفيذها، وفي رأيي النظام السياسي وليس المؤسساتي لا يمكنه حل مشاكل الجزائريين، والمنظور الموجود لا يتماشى مع المؤسسات والقانون، فهناك عدم احترام للقانون والدستور.
- كنتم رئيسا للحكومة في النظام نفسه فماذا قدمتم وأنتم أحد الفاعلين فيه؟
- لما كنت في الحكومة، قدمت تشكيلة حكومتي للتزكية من قبل المجلس الشعبي الوطني، وقلت إن كل الحكومات بما فيها حكومتي، يعاب عليها فقدانها للشرعية الشعبية، فالحاكم الفاقد لهذا العنصر معوق والنظام ليس مبنيا على ضرورة رضا الشعب، فمنذ الاستقلال لم نصل إلى حل هذه العقدة الرئيسية المتعلقة بالمشروعية أو الشرعية، لأنه مهما كانت السياسات لا يمكن تنفيذها إلا بالمشاركة.
- الواقع يقول إن الحكم السليم هو الخاضع للقوانين، ذلك لما يحمله من إقناع بصرف كل طاقاته لصالح الحكم السليم، وهو دور النظام بالسعي من خلال قوانين وسياسات تجعل المواطن يجند كل طاقاته، والمشاركة تتطلب سياسات تفسر للأفراد وتكون مقبولة.
- هل ترون بأن الفرد مقصي في الجزائر؟
- الجزائري محروم من حقه في لعب دور تسيير المجتمع، وهذا خلافا للقانون المتعلق بحرية التعبير وحرية الجماعات وغيره، حيث أن ما يجري ميدانيا فيه تناقض مطلق مع القانون، مثلا الدستور يقتضي بأن كل جزائري له حق الاجتماع مع آخرين، أو تأسيس حزب أو جماعة سياسية أو غيرها، فهل هذا مسموح لكل الجزائريين أم لا؟.. وخير مثال حزب الجبهة الديمقراطية و حزب الوفاء، استجابا لكل الشروط القانونية غير أنهما محظوران من النشاط.. وسكوت السلطات يكفي ليجعل النشاط محظورا لأنه لا يوجد رفض علني وصريح وإنما الأمر يتعلق بأوامر شفوية، نحن أمام مؤسسات ليست مشكلة كما ينص عليه القانون، فهي شبه مؤسسات، والدستور يغير في دقيقتين، في الشكل يشبه عملية شرعية وفي الواقع عكس ذلك، حيث منع بعض المنافسين من المشاركة في الرئاسيات وأقصيت عدة مرات من الترشح .
- ما هو موقفكم من مسيرة 12 فيفري؟
- لم أكن ممن دعوا لمسيرة 12 فيفري، ولكن يبقى كل جزائري له الحق في الاحتجاج بعيدا عن العنف، والمسيرات مشروعة إذا نظرنا إلى القانون ولها مبررات، لأن الشعب غير راض عن حاله وظروف معيشته، وعلى مستوى أوسع يتجاوز الأمر الخبز والأجر، والمجتمع المشكل من أغلبية ساحقة شباب له الحق في التعبير عن غضبه وعدم ارتياحه للوضع الراهن، وأصحاب القرار لا يجب عليهم النظر لهذه الحركات على أنها حركات عدائية.
- وبالنسبة لحالة طوارئ؟
- حالة الطوارئ جاءت في إطار معين حفاظا على أمن البلد، لكن الظروف تغيرت والنظام يقول بأنه عن طريق الوئام المدني والمصالحة الوطنية تحسن الوضع الأمني، وهو اعتراف ضمني بأنه لم يبق حجة لحالة الطوارئ، إلا إذا كان مصرا في منع الجزائريين من التعبير عن رأيهم.
- وعن مبادرات أحزاب التحالف الرئاسي تجاه الاحتجاجات الأخيرة؟
- الأحزاب المسموح لها بالعمل لا تتعدى الموجودة، قبل سنة 1989، باستثناء حزبين أو ثلاثة، وهي ليس لديها مصداقية أمام الشعب.
- .. لكن لديها أكبر وعاء انتخابي؟
- كل الأحزاب فقدت دورها الأصلي في خدمة الشعب وتورطت في لعبة النظام، وليس عيبا خدمة النظام.. لكن النتيجة جعلك تخدم النظام للنظام وليس للشعب، فهذه الأحزاب فقدت دورها.
- وماذا عن إشاعات التغيير الحكومي وهل هو ضرورة؟
- النظام السياسي هو الحكم وليس الحكومة أو أعضاء الحكومة، فمهما كانت عبقريتهم فهم موظفون، والمشكلة في من يعيّنون الحكومة ولماذا يعيّنونها، ولا أعتقد أن الحكومة لديها الصلاحيات والقدرة الذاتية، والدليل أن الحكومة غيّرت 12 مرة في ظرف 10 سنوات، ولم يكن الجديد ويجب تجنب الخلط بين الأشخاص والأنظمة، وليست القضية قضية أشخاص لأنهم قد يكونون صالحين وأهل، لكن النظام الذي عينهم خاطئ.