القطار وسكة الحديد
يشهد العالم في سنة 2024، ما لا يقل عن خمسين جولة انتخابية حاسمة، في أمصار مختلفة، وقد شغل بعضُها الناس، حتى بمحلياتها ومجالسها الشعبية، وكثير منها حبست الأنفاس، وجعلت الناخبين يحدّدون مصيرها، كما حدث في تركيا وإيران، وكما حدث في المملكة المتحدة، وخاصة في فرنسا عندما مالت كفة المتطرفين، ثم سوّاها الناخبون ومنحوا اليساريين الغلبة، وكما يحدث حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث عجزت مؤسسات سبر الآراء، ولأول مرة، عن التكهن بالنتيجة الانتخابية قبل موعدها.
والجزائر لا يمكنها أن تخرج عن المسار الانتخابي العالمي، فقد صار للبلاد وزن، تجلّى في ظهورها على مستوى مجلس الأمن وفي المجال الاقتصادي، كواحدة من بلاد الغاز الكبرى التي لا يمكن الاستغناء عنها، ومن المفروض أن تشغل انتخاباتها المزمع تنظيمها في 7 سبتمبر القادم، الأوساط السياسية والإعلامية والاقتصادية العالمية، كما حدث في البلاد المتطورة، بمساهمة الناخب الذي عاد إلى الصناديق وبقوة في فرنسا وإيران مثلا.
يلمس الجزائريون بعض التقدُّم في قطاعات عديدة، من جو الاستثمار المريح، والفلاحة المتقدّمة بسرعة، وأداء جامعي قريب من الواقع المعاش، ولا يمكن تحقيق الوثبة المنتظرة من دون أداء سياسي، يبدأ بالرئاسيات التي يأمل الجزائريون في أن تكون نسخة سبتمبر القادم، الأمثل والأجود فيها، ليس من ناحية كفاءة المترشحين وتقديم كل واحد منهم البرنامج الذي يحقق طموح الناس فقط، وإنما بالخصوص في عودة الجزائريين للممارسة السياسية، وبترميم الجسور الفاصلة بينهم وبين القمة التي لا مجال لها، لأن تحلم بالارتقاء من دون قاعدة شعبية تؤمن بمشروعها وتساهم فيه وتقوّمه، وتمنحه ثقتها إذا رأت فيه ملامح النجاح، وتسحبها منه إذا خيّب في أول خرجاته.
سمحت الظروف العالمية الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الأزمة في أوكرانيا وتداعيات الشهور العشرة، من العدوان الصهيوني على فلسطين، بمعرفة العالم بمجهر دقيق، على حقيقته، وبأن الهوّة الفاصلة بيننا وبينهم، ليست بالضخامة نفسها التي تصوّرها الناس، وسمحت أزمات الغاز والغذاء بمعرفة ما يمكن أن تقوم به الجزائر لتواكب المتطوّرين. ولكي تنجح الورشة الكبرى القائمة حاليا، يجب أن تسير كل القاطرات من دون استثناء، بالسرعة ذاتها، ولأجل الهدف نفسه، في شفافية وديموقراطية واعتراف بالخطأ وإصرار على بلوغ محطة الأمان.
لقد ساهم الجزائريون، بطريقة أو بأخرى، في “الريمونتادا” الانتخابية التي حدثت في فرنسا، فقلّبوا النتيجة على رأس اليمين المتطرف الذي أسّسه أحد إرهابيي الحقبة الاستعمارية في الجزائر، وبإمكانهم أن يقدِّموا نموذجا انتخابيا راقيا في بلادهم، من خلال متابعة المشهد الذي سيتشكَّل قريبا، أو على الأقل التأسيس لمرحلة سياسية راقية، تكون السَّاهر على مختلف البرامج الكبرى، لينطلق القطارُ سريعا، على سكة من حديد، من حديد بشار إلى فوسفات تبسة، ويصل إلى برّ الأمان.